كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في التقابل ودحض حجج المتكلمين

[من الطرق العقلية في إثبات الصفات أنه سبحانه لو لم يوصف بإحدى الصفتين المتقابلتين للزم وصفه بالأخرى]
والمقصود هنا أن من الطرق التي يسلكها الأئمة ومن اتبعهم من نُظَّار السنة في هذا الباب - أنه لو لم يكن موصوفا بإحدى الصفتين المتقابلتين للزم اتصافه بالأخرى، فلو لم يوصف بالحياة لوصف بالموت، ولو لم يوصف بالقدرة لوصف بالعجز، ولو لم يوصف بالسمع والبصر والكلام لوصف بالصمم والخرس والبَكَم.
وطرد ذلك أنه لو لم يوصف بأنه مباين للعالم لكان داخلا فيه، فسلب إحدى الصفتين المتقابلتين عنه يستلزم ثبوت الأخرى، وتلك صفة نقص ينزه عنها الكامل من المخلوقات فتنزيه الخالق عنها أَولى.
[طريقة أخرى في إثبات الصفات]
وهذه الطريق غير قولنا: إن هذه صفات كمال يتصف بها المخلوق فالخالق أَولى، فإن طريق إثبات صفات الكمال بأنفسها مغاير لطريق إثباتها بنفي ما يناقضها.
[اعتراض على الطريقة الأولى]
وقد اعترض طائفة من النفاة على هذه الطريقة باعتراض مشهور لبسوا به على الناس، حتى صار كثير من أهل الإثبات يظن صحته ويُضعف الإثبات به، مثل ما فعل من فعل ذلك من النظار حتى الآمدي وأمثاله، مع أنه أصل قول القرامطة الباطنية وأمثالهم من الجهمية. فقالوا: «القول بأنه لو لم يكن متصفا بهذه الصفات، كالسمع والبصر والكلام، مع كونه حيًّا لكان متصفا بما يقابلها - فالتحقيق فيه متوقف على بيان
حقيقة المتقابلَيْن وبيان أقسامهما.
فنقول: أما المتقابلان فما لا يجتمعان في شيء واحد من جهة واحدة، وهو إما أن لا يصح اجتماعهما في الصدق ولا في الكذب، أو يصح ذلك في أحد الطرفين.
فالأول هما المتقابلان بالسلب والإيجاب، وهو تقابل التناقض، والتناقض هو اختلاف القضيتين بالسلب والإيجاب على وجه لا يجتمعان في الصدق ولا في الكذب لذاتيهما كقولنا: زيد حيوان، زيد ليس بحيوان، ومن خاصيته استحالة اجتماع طرفيه في الصدق والكذب، وأنه لا واسطة بين الطرفين ولا استحالة لأحد الطرفين إلى الآخر.
من جهة واحدة، ولا يصح اجتماعهما في الصدق ولا في الكذب، إذ كون الموجود واجبا بنفسه وممكنا بنفسه لا يجتمعان ولا يرتفعان.
فإذا جعلتم هذا التقسيم، وهما النقيضان ما لا يجتمعان ولا يرتفعان، فهذان لا يجتمعان ولا يرتفعان، وليس هما السلب والإيجاب، فلا يصح حصر النقيضين اللذين لا يجتمعان ولا يرتفعان في السلب والإيجاب.
وحينئذ فقد ثبت وصفان: شيئان لا يجتمعان ولا يرتفعان، وهو خارج عن الأقسام الأربعة.
وعلى هذا فمن جعل الموت معنى وجوديا فقد يقول: إن كون الشيء لا يخلو من الحياة والموت هو من هذا الباب.
وكذلك العلم والجهل، والصمم، والبكم، ونحو ذلك.
الوجه الثاني - أن يقال: هذا التقسيم يتداخل، فإن العدم والملكة يدخل في السلب والإيجاب، وغايته أنه نوع منه، والمتضايفان يدخلان في المتضادين، وإنما هو نوع منه.
فإن قال: أعني بالسلب والإيجاب ما لا يدخل فيه العدم والملكة، وهو أن يسلب عن الشيء ما ليس بقابل له، ولهذا جعل من خواصه أنه لا استحالة لأحد طرفيه إلى الآخر.
قيل له: عن هذا جوابان:
أحدهما - أن غاية هذا أن السلب ينقسم إلى نوعين، أحدهما: سلب ما يمكن اتصاف الشيء به، والثاني: سلب ما لا يمكن اتصافه به.
ويقابل الأول إثبات ما يمكن اتصافه ولا يجب، والثاني إثبات ما يجب اتصافه به، فيكون المراد به سلب الممتنع وإثبات الواجب، كقولنا: زيد حيوان، فإن هذا إثبات واجب، وزيد ليس بحجر، فإن هذا سلب ممتنع.
وعلى هذا التقدير، فالممكنات التي تقبل الوجود والعدم، كقولنا: المثلث إما موجود وإما معدوم، يكون من قسم العدم والملكة، وليس كذلك، فإن ذلك القسم يخلو فيه الموصوف الواحد عن المتقابلين جميعا، ولا يخلو شيء من الممكنات عن الوجود والعدم.
وأيضا فإنه على هذا التقدير، فصفات الرب كلها واجبة له، فإذا قيل: إما أن يكون حيا أو عليما أو سميعا أو بصيرا أو متكلما، أو لا يكون - كان مثل قولنا: إما أن يكون موجودا وإما أن لا يكون، وهذا متقابل تقابل السلب والإيجاب، فيكون الآخر مثله، وبهذا يحصل المقصود.
فإن قيل: هذا لا يصح حتى يُعلم إمكان قبوله لهذه الصفات.
قيل له: هذا إنما اشتُرِط فيما أمكن أن يثبت له ويزول كالحيوان، فأما الرب تعالى فإنه بتقدير ثبوتها له فهي واجبة، ضرورة أنه لا يمكن اتصافه بها وبعدمها باتفاق العقلاء، فإن ذلك يوجب أن يكون تارة حيا وتارة ميتا، وتارة أصم وتارة سميعا، وهذا يوجب اتصافه بالنقائص، وذلك منتف قطعا.
بخلاف من نفاها، وقال: إن نفيها ليس بنقص، لظنه أنه لا يقبل الاتصاف بها، فإن من قال هذا لا يمكنه أن يقول: إنه مع إمكان الاتصاف بها لا يكون نفيها نقصا. فإن فساد هذا معلوم بالضرورة. وقيل له أيضا: أنت في تقابل السلب والإيجاب، إن اشترطت العلم بإمكان الطرفين لم يصح أن تقول: واجب الوجود إما موجود وإما معدوم، والممتنع الوجود إما موجود وإما معدوم، لأن أحد الطرفين هنا معلوم الوجود، والآخر معلوم الامتناع.
وإن اشترطت العلم بإمكان أحدهما صح أن تقول: إما أن يكون حيا وإما أن لا يكون، وإما أن يكون سميعا بصيرا وإما أن لا يكون، لأن النفي إن كان ممكنا صح التقسيم، وإن كان ممتنعا كان الإثبات واجبا، وحصل المقصود.
فإن قيل: هذا يفيد أن هذا التأويل يقابل السلب والإيجاب ونحن نسلم ذلك، كما ذكر في الاعتراض، لكن غايته أنه إما سميع وإما ليس بسميع، وإما بصير وإما ليس ببصير، والمنازع يختار النفي.
فيقال له: على هذا التقدير فالمثبَت واجب، والمسلوب ممتنع، فإما أن تكون هذه الصفات واجبة له، وإما أن تكون ممتنعة عليه، والقول بالامتناع لا وجه له إذ لا دليل عليه بوجه.
بل قد يقال: نحن نعلم بالاضطرار بطلان الامتناع، فإنه لا يمكن أن يستدل على امتناع ذلك إلا بما يستدل به على إبطال أصل الصفات، وقد علم فساد ذلك، وحينئذ فيجب القول بوجوب هذه الصفات له.
واعلم أن هذا يمكن أن يُجعل طريقة مستقلة في إثبات صفات الكمال له، فإنها إما واجبة له، وإما ممتنعة عليه، والثاني باطل فتعيَّن الأول، لأن كونه قابلا لها خاليا عنها يقتضي أن يكون ممكنا، وذلك ممتنع في حقه، وهذه طريقة معروفة لمن سلكها من النظار.
الجواب الثاني - أن يقال: فعلى هذا إذا قلنا: زيد إما عاقل وإما غير عاقل، وإما عالم وإما ليس بعالم، وإما حي وإما غير حي، وإما ناطق وإما غير ناطق، وأمثال ذلك مما فيه سلب الصفة عن محل قابل لها، لم يكن هذا داخلا في قسم تقابل السلب والإيجاب.
ومعلوم أن هذا خلاف المعلوم بالضرورة، وخلاف اتفاق العقلاء، وخلاف ما ذكروه في المنطق وغيره.
ومعلوم أن مثل هذه القضايا تتناقض بالسلب والإيجاب على وجه يلزم من صدق إحداهما كذب الأخرى، فلا يجتمعان في الصدق والكذب، فهذه شروط التناقض موجودة فيها.
وغاية فرقهم أن يقولوا: إذا قلنا: هو إما بصير وإما ليس ببصير، كان إيجابا وسلبا، وإذا قلنا: إما بصير وإما أعمى، كان ملكة وعدما.
وهذا منازعة لفظية، وإلا فالمعنى في الموضعين سواء، فعلم أن ذلك نوع من تقابل السلب والإيجاب، وهذا يبطل قولهم في حد ذلك التقابل: إنه لا استحالة لأحد الطرفين إلى الآخر، فإن الاستحالة هنا ممكنة كإمكانها إذا عبر بلفظ «العمى» . الوجه الثالث - أن يقال: التقسيم الحاصر أن يقال: المتقابلان إما أن يختلفا بالسلب والإيجاب، وإما أن لا يختلفا بذلك، بل يكونان إيجابين أو سلبين، فالأول هو النقيضان، والثاني: إما أن يمكن خلو المحل عنهما، وإما أن لا يمكن، والأول هما الضدان كالسواد والبياض، والثاني هما في معنى النقيضين وإن كانا ثبوتَين كالوجوب والإمكان، والحدوث والقدم، والقيام بالنفس والقيام بالغير، والمباينة والمجانبة، ونحو ذلك.
ومعلوم أن الحياة والموت، والصمم والبكم والسمع، ليس مما إذا خلا الموصوف عنهما وصف بوصف ثالث بينهما كالحمرة بين السواد والبياض، فعُلم أن الموصوف لا يخلو عن أحدهما فإذا انتفى تعين الآخر.
الوجه الرابع - المحل الذي لا يقبل الاتصاف بالحياة والعلم والقدرة والكلام ونحوها، أنقص من المحل الذي يقبل ذلك ويخلو عنها، ولهذا كان الحجر ونحوه أنقص من الحي الأعمى.
وحينئذ فإذا كان البارئ منزها عن نفي هذه الصفات - مع قبوله لها - فتنزيهه عن امتناع قبوله لها أَوْلَى وأحرى، إذ بتقدير قبوله لها يمتنع منع المتقابلين، واتصافه بالنقائص ممتنع، فيجب اتصافه بصفات الكمال، وبتقدير عدم قبوله لا يمكن اتصافه لا بصفات الكمال ولا بصفات النقص، وهذا أشد امتناعا، فثبت أن اتصافه بذلك ممكن، وأنه واجب له، وهو المطلوب، وهذا في غاية الحسن. الوجه الخامس - أن يقال: أنتم جعلتم تقابل العدم والملكة فيما يمكن اتصافه بثبوت، فإن عنيتم بالإمكان الإمكان الخارجي، وهو أن يعلم ثبوت ذلك في الخارج، كان هذا باطلا من وجهين:
أحدهما - أنه يلزمكم أن تكون الجامدات لا توصف بأنها لا حيّة ولا ميتة، ولا ناطقة ولا صامتة، وهو قولكم، لكن هذا اصطلاح محض، وإلا [فالعرب] يصفون هذه الجمادات بالموت والصمت.
وقد جاء القرآن بذلك، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ • أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} ، فهذا في الأصنام وهي من الجمادات، وقد وصفت بالموت.
والعرب تقسم الأرض إلى الحيوان والمَوَتان، قال أهل اللغة: المَوَتان، بالتحريك: خلاف الحيوان، يقال: اشْتَرِ المَوَتان ولا تَشْتَر الحيوان، أي: اشتر الأرضين والدّور، ولا تشتر الرقيق والدّواب. وقالوا أيضا: المَوَات: ما لا روح فيه. 
فإن قيل: فهذا إنما سمي مواتا باعتبار قبوله للحياة، التي هي إحياء الأرض.
قيل: وهذا يقتضي أن الحياة أعم من حياة الحيوان، وأن الجماد يوصف بالحياة إذا كان قابلا للزرع والعمارة.
والخرس ضد النطق، والعرب تقول: لبن أخرس، أي خاثر لا صوت له في الإناء، وسحابة خرساء، ليس فيها رعد ولا برق، وعَلَم أخرس، إذا لم يُسمع له في الجبل صوت صدى، ويقال: كتيبة خرساء، قال أبو عبيد: هي التي صمتت من كثرة الدروع ليس لها قعاقع.
وأبلغ من ذلك الصمت والسكوت، فإنه يوصف به القادر على النطق إذا تركه، بخلاف الخرس، فإنه عجز عن النطق، ومع هذا فالعرب تقول: ما له صامت ولا ناطق، فالصامت الذهب والفضة، والناطق الإبل والغنم، والصامت من اللبن: الخاثر، والصَمُوت: الدرع التي إذا صُبَّت لم يسمع لها صوت.
ويقولون: دابة عجماء، وخرساء، لما لا ينطق ولا يمكن منه النطق في العادة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (العجماء جبار) .
وكذلك في العمى، تقول العرب: عَمَى الموجُ يَعْمِي عَمْيًا إذا رمى القذى والزَبَدَ، والأعميان: السيل والجمل الهائج، وعَمِيَ عليه الأمر إذا التبس، ومنه قوله تعالى: {فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنبَاءُ يَوْمَئِذٍ} .
وهذه الأمثلة قد يقال في بعضها: إنه عدم ما يقبل المحل الاتصاف به كالصوت، ولكن فيها ما لا يقبل كموت الأصنام.
الثاني - أن الجامدات يمكن اتصافها بذلك، فإن الله سبحانه قادر أن يخلق في الجمادات حياة، كما جعل عصى موسى حيّة تبلع الحبال والعصي.
وإذا كان في إمكان العادات كان ذلك مما قد علم بالتواتر، وأنتم أيضا قائلون به في مواضع كثيرة.
وإذا كان الجمادات يمكن اتصافها بالحياة وتوابع الحياة ثبت أن جميع الموجودات يمكن اتصافها بذلك، فيكون الخالق أَوْلَى بهذا الإمكان.
وإن عنيتم الإمكان الذهني، وهو عدم العلم بالامتناع فهذا حاصل في حق الله، فإنه لا يعلم امتناع اتصافه بالسمع والبصر والكلام.
الوجه السادس - أن يقال: هب أنه لا بد من العلم بالإمكان الخارجي، فإمكان الوصف للشيء يُعلم تارة بوجوده له، أو بوجوده لنظيره، أو بوجوده لما هو الشيء أَوْلَى بذلك منه.
ومعلوم أن الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام ثابتة للموجودات المخلوقة، وممكنة لها، فإمكانها للخالق تعالى أَوْلَى وأحرى، فإنها صفات كمال، وهو قابل للاتصاف بالصفات، وإذا كانت ممكنة في حقه فلو لم يتصف بها لاتصف بأضدادها.
الوجه السابع - أن يقال: مجرد سلب هذه الصفات نقص لذاته، سواء سميت عمى وصمما وبكما، أو لم تسم، والعلم بذلك ضروري، فإنا إذا قدرنا موجودَين، أحدهما يسمع ويبصر ويتكلم، والآخر ليس كذلك - كان الأول أكمل من الثاني.
ولهذا عاب الله سبحانه من عبد ما تنتفي فيه هذه الصفات، فقال تعالى عن إبراهيم الخليل: {يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا} ، وقال أيضا في قصته: {فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ} ، وقال تعالى عنه: {هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ • أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ • قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ • قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ • أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ • فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ} .
وكذلك في قصة موسى في العجل: {أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ} ، وقال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاَهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} ، فقابل بين الأبكم العاجز وبين الآمر بالعدل الذي هو على صراط مستقيم.