حوار مع أشعري

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد :

 فهذا حوار يدور في خيالي منذ زمن بعيد، فعزمت على تقييده وتسويده على هيئة حوار بين أخوين أحدهما أشعري والآخر سلفي وهابي على وفق معتقد إخواننا الأشاعرة في نبذ من يخالفهم في هذه المسائل، وأسأل الله أن ينفع به في تصحيح ما قد علق بأذهان بعض الطيبين عن إخوانهم من أهل السنة فيما يتعلق بهذه المسائل التي تناولتها في هذا الحوار، كما  أرجو أن يكون  هذا الحوار قد بسّط مفهوم هذه المصطلحات عند إخواننا  " الوهابية " الذين لم يتعرضوا لها من قبل والله الموفق .

 يوم ما التقيت أشعريًا  فقال لي :

أنتم معاشر الوهابيين مجسمة !

فقلت:  ولم ؟

قال: تثبتون لله الجسمية !

قلت: لم نقل بذلك مطلقا ً!

قال: فلم امتنعتم عن نفي الجسم عن الله ؟

قلت: لم نمتنع !

قال: بل امتنعتم ، ونحن معاشر الأشاعرة ننفي ونجزم بنفي الجسم والحيز والعرض عن الله سبحانه .

قلت: نحن ننفي عن الله سبحانه مماثلة غيره من المخلوقات بما فيها الجسم وغيره فنحن ننفي ما هو أعم من الجسم  لقوله سبحانه :" ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" فتخصيص نفي الجسمية لا معنى له!

قال: ليس هناك  أعم من الجسم!  فالعالم كله جسم مركب من جواهر وأعراض ..

قلت: العرب لا تطلق الجسم على كل ما في العالم ، فالجسم في لغة العرب يطلق على بعض الاشياء كالجسد والبدن وما عظُم من الأشياء وضخُم وجسُم  .. وليس في كلامهم ما يفيد أن كل شيء موجود في هذا العالم فهو جسم!

قال: الجسم عندنا في اصطلاحنا معناه  ينطبق على  كل مركب ومؤلف من أجزاء لا تتجزأ.

قلت: هذا خلاف ما يعرفه الناس وهذا خروج عما ما في لغة العرب التي نزل بها القرآن ، فكيف تلزمنا بنفي الجسم على هذا المعنى الذي اصطلحت عليه؟!

قال:  وما الإشكال في نفيه على اصطلاحي أو على ما في لغة العرب ؟

قلت:  الخروج بالفظ عما في لغة العرب خروج عن معناه الشرعي الذي نزل بلغة العرب، فهذه الألفاظ نفيها وإثباتها إنما يكون بحسب ما تدل عليه في لغة العرب لا بحسب ما يصطلح عليه الناس.

قال: ما زال السؤال قائمًا، ما الإشكال في نفي الجسمية عن الله سواء على اصطلاحي أو على المعنى المقرر له في لغة العرب ؟

قلت: سأسلم لك في هذا إذا قصدتم بالجسم  كل ما هو مخلوق موجود فنحن ننفي مماثلة الرب سبحانه لغيره من المخلوقات، فالله أجل وأعظم من أن يماثل شيئًا من خلقه أو يماثله شيء من خلقه أو تماثل صفاته صفات خلقه أو شيئا من خلقه ..

قال: أنتم تنفون هذا على العموم لكنكم تثبتون له الصفات على صورة تثبت التأليف والتركيب التي معناها يفيد الجسمية!

قلت: له إذن هذا الاصطلاح الذي اصطلحتم عليه يتعارض مع إثبات النصوص!

فقال: لا يتعارض مع النصوص وإنما يتعارض مع فهمكم للنصوص!

قلت: بل يتعارض! أو لم تقل الآن أن إثبات النصوص يلزم منه إثبات التركيب والتأليف الذي يفيد الجسمية؟

قال: معنى الجسم عندنا هو المؤلف المركب أو الذي يمكن فرض ثلاثة أبعاد فيه أو الذي له طول وعرض وعمق ..

قلت: قد سبق أن هذا التعريف للجسم  لا تعرفه العرب وهو أعم مما في لغة العرب، لكنه على كل حال إذا تتضمن جميع المخلوقات فنحن ننزه الله سبحانه وتعالى عن مماثلة جميع خلقه فليس عندنا إشكال مع لفظ الجسم ما لم يتعارض نفيه مع إثبات ما جاءت به النصوص الشرعية، فأيا كان تعريفه عندكم، فإن كان هذا التعريف لا يتعارض نفيه مع إثبات الصفات فلا بأس به مهما خالف اللغة، لكن إذا تعارض مع مقتضى النصوص من إثبات الصفات فلا شك أن هذا التعريف يكون باطلا غير صحيح، ولا يسلم لكم بمعناه، فإن حد الاصطلاح أن لا يخالف مقتضى النصوص ..

فقال: أولم تنفيه على المعنى الذي في اللغة وهو البدن والجسمان والأشياء الضخمة وغير ذلك فما يمنعك من نفيه على اصطلاح المتكلمين وقد تضمن هذا المعنى؟

قلت: أنتم ذهبتم في نفي الجسمية عن الله بحجة أن لفظ الجسم يتضمن في معناه جميع ما سوى الله، وقلتم أن نفيكم عن الله الجسمية هو التنزيه الذي تذهبون إليه .

ونحن قلنا لكم هذا الطريق في التنزيه ليس من هدي الأنبياء ولا الصحابة ولا الأئمة المتبوعين فهم لم يتكلموا بهذه المصطلحات ولم يسلكوا في تنزيه الرب سبحانه هذه الطرق .

ونحن وإياكم متفقون على أنهم أعلم الخلق بالله وأعظم الخلق تنزيها له سبحانه، فلم نعدل عن طريقتهم ونسلك غير سبيلهم ؟  

ثم قلت: أنتم باصطلاحكم هذا في معنى الجسم قد خرجتم عن معناه المعروف في لغة العرب التي نزل بها القرآن، والتي تعبدنا الله بتلاوة كلامه بلغتهم وألفاظهم ومعانيها، فقولكم الجسم هو المؤلف المركب وهو ما يفرض فيه ثلاثة أبعاد وهو الطويل العريض العميق وغير ذلك هذا التعريفات تنطبق على أكثر مما كان العرب يطلقون عليه لفظ الجسم، فهو مصطلح أعم مما كان العرب يستعملونه فيه ...

- ومع ذلك فقد ذكرت لك من قبل أني قد أسلم لك في هذا الخروج  وأقول: لا بأس به إذا أردت بالجسم  جميع المخلوقات الموجودة بأعيانها وأشخاصها عرفناها أو لم نعرفها، شاهدناها أو لم نشاهدها ،فكل ما هو مخلوق فنحن ننزه الله سبحانه وصفاته عن مماثلته ،سواء في ذاته أو في صفاته، فماذا تريد فوق هذا؟ وما تروم أبعد من ذلك؟!

فإن كنت منصفا حقًا فلن تزعم أن من يقرر ذلك يكون مجسمًا.

 وإن كنت محقًا في أنك تنفي الجسم عن الله تنزيها له عن مماثلة خلقه، فلن تدخل في معناه أكثر مما ينطبق على جميع المخلوقات.

- لكن هذا التعريف الذي وضعتم له حدودًا تجاوز معنى الجسم في كلام العرب إلى حد أن ينطبق معناه على صفات الله  فقلتم الجسم هو المؤلف المركب وجعلتم مما يدخل في معنى التركيب : تركيب الشيء من الذات والصفات ، فزعمتم أن قيام الصفات بالذات تركيبًا ثم عارضتم بهذا الكلام النصوص المثبتة للصفات، فقلتم إثبات اليد يوجب التركيب وإثبات الوجه يوجب التركيب وإثبات القدم يوجب التركيب!

- وقلتم  في نفي قيام الحوادث به مثل ما قلتموه في التركيب، فجعلتم  أفعاله سبحانه حوادث وتغيرًا ، فكانت حدودكم واصطلاحاتكم معارضة للنصوص مبطلة لمعانيها، فهنا كان لابد لنا أن نقف وقفة حق، ونقول لكم هذا الذي تزعمونه في معنى الجسم باطل باطل باطل! فأنتم أول من خرج وأنتم أول من أحدث وأنتم أول من بدأ النزاع ومهّد جذور الخلاف ...

فحد الجسم مهما خرجتم به عن معانيه في اللغة فلابد أن يقف عند كل مخلوق، فننزه الرب سبحانه عن مشابهة خلقه وصفاتهم وهذا النفي يجب ألا يتعارض مع  إثبات الصفات التي وصف الله بها نفسه فليس فيما وصف الله به نفسه تشبيه ، بل إن هذا النفي ينبغي أن يؤكد النصوص المثبتة للصفات والمنزهة له سبحانه عن صفات المحدثين !

فحينئذ قال:  أولم تثبتوا الصفات على الحقيقة؟

قلت: بلى.

قال: الله أكبر قد اعترفت بالتجسيم!!

قلت: إثباتها على الحقيقة لا يعني أننا نثبتها على حقيقة الأجسام!

بل الحقيقة التي نقصدها يقابلها المجاز والتأويل.

والكلام في أصله يحمل على الحقيقة لا المجاز .. هذا إن سلمنا أصلًا بالمجاز في كتاب الله.

قال: الحقيقة تختص بالمخلوقات، وإثباتك الصفات على الحقيقة يعني إثباتها على ما يفهم من صفات المخلوقات.

قلت: ابتداءً لا يصح إطلاق القول بأن الألفاظ على حقيقتها وضعت للتعبير عن صفات المخلوقات! فإن الله سبحانه وتعالى قد وصف نفسه في أكثر من ثلث كتابه بصفات الكمال والجلال ونزه نفسه سبحانه عما لا يليق به من صفات النقص ومماثلة المخلوقين، وهذا يبطل القول أن هذه الألفاظ إنما وضعت في حقيقتها للتعبير عن المخلوقات وصفاتهم وأفعالهم، فإن نصوص الكتاب والسنة  أول ما تكذب هذه الدعوى.

 والصحيح أن هذه الألفاظ تصلح للتعبيرعن جميع الحقائق الموجودة بما فيها الرب سبحانه وتعالى وصفاته وأفعاله، فإن الرب سبحانه موجود وله وجود يخصه وله ذات موصوفة بالصفات موجودة في الأعيان غير مقصورة الوجود على الأذهان، يعبر عنها وعن وجودها وما يليق لها من الصفات بهذه اللغة التي نزل بها القرآن، ومن يخالف ذلك فعليه أن يخترع  لغة أخرى للتعريف بالله سبحانه وتعالى لا تشترك في ألفاظها مع المخلوقات!

قال: أنتم تثبتون الصفات التي يلزم من إثباتها التركيب والتبعيض وهذ من لوازم التجسيم!

قلت: نحن نثبت ما ورد في النصوص فكيف يلزم من إثبات ما ورد به النص التركيب والتبعيض والتجسيم؟!

قال: ألم تثبتوا هذه الصفات على ظاهرها؟

قلت: بلى فهذا هو منهج السلف وهذه نصوصهم في ذلك متواترة.

قال :  ظاهرها لا يعقل منه إلا ما عند المخلوقين.

قلت: قولك : ظاهرها لا يعقل منها إلا ما عند المخلوقين خطأ، لا يسلم لك فيه.

 ودليل ذلك أن الله سبحانه وتعالى قد وصف نفسه بها ولو كان لا يفهم منها إلا ما عند المخلوقين لما خاطبنا الله بها ولما وصف بها نفسه، وهذا واضح، ولو فرضنا أن هذا يكون منه سبحانه لما كان له سبحانه أن يتركنا دون تنبيه أو إشارة أن هذا الذي ذكرت لكم في طول الكتاب وعرضه وفي كل ما يخص ذاتي وصفاتي وأفعالي ليس على ظاهره، بل له معان أخرى ابحثوا عنها وخمّنوها وأنا أرتضي منكم ما تتوصل إليه عقولكم!

قال: ظاهرها المتبادر للأذهان هي صفات المخلوقين فإثباتها على ظاهرها يعني إثبات صفات المخلوقين لله وهذا تجسيم!

قلت:  الظاهر المتبادر إلى الذهن ربما يكون كذلك إذا ذكرت الصفة مجردة بلا إضافة  كقولنا مثلا: يد، أو وجه، أو قدم، أو جسم، فهنا ربما ينصرف الذهن إلى صور قد رآها من قبل فيستحضرها، فيتصور وجه إنسان أو حيوان أو ما يخطر بباله حينها،وإن لم يجزم بشيء، لكن إذا أضيفت الصفة إلى الموصوف فقلنا يد الله، أو وجه الله أو قدم الله ،فهنا يتوجه الذهن مباشرة إلى تخصيص الصفة بالموصوف، فمهما عصف ذهنه فلن يجد صورة يمكن أن يتخيلها فيضطر إلى التسليم بإثبات الصفة بلا تكييف ولا تشبيه كما أثبت الذات من قبل، وهذا ما يحصل في حقيقة الأمر عند غالب الناس ..

قال: أولم تثبتوا لله سبحانه وتعالى الكيف والأين والحد والحيز والجهة ...

قلت: نحن لم نثبت شيئًا من ذلك إلا ما ورد النص صراحة بشأنه وهو الأين، فهذا وارد فيما صح من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سأل الجارية فقال: أين الله؟

فهذا هو دليلنا على جواز ذلك؟، واما غير ذلك فإن كان من لوازم إثبات الصفات فلازم الحق حق، وإن تضمن معنى باطلا فرضًا فبالضرورة ليس بلازم.

قال: إذن أنت تقول بأن الله سبحانه في مكان؛ فأين كان الله قبل خلق المكان؟!

قلت:  إذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سأل الجارية بأين وأين تقتضي المكان فلا إشكال في ذلك ، وما الذي يمنع من القول بما قاله رسولنا صلى الله عليه وسلم ؟

لكن إن كان معنى المكان يقتضي أن يكون الله سبحانه داخلا في المخلوق محصورا فيه ،فهذا المعنى لا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقصده .

قال: لا معنى للمكان إلا ذلك، والله سبحانه وتعالى موجود قبل خلق المكان!

ويلزم من الأينية والسؤال بأين، أن الله سبحانه وتعالى موجود في مخلوق يحيط به يحتاج إليه وهذا تشبيه وتجسيم وإثبات النقص له سبحانه!

قلت: وهل هذا لم يعرفه النبي صلى الله عليه وسلم حين سأل الجارية بأين الله؟

قال: الحديث له توجيه وتأويل يتوافق مع نفي المكان والسؤال بأين؟

قلت:  التوجيه هذا هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمه حين سأل الجارية أين الله؟

قال:  نعم بالطبع !

قلت: وهل بينه النبي صلى الله عليه وسلم أو لم يبينه ؟

قال :  مسألة لزوم البيان في وقت الحاجة أو لا، مسألة فيها خلاف والكلام في هذا حيدة!

قلت:  إن كان لازم السؤال بأين أن يكون الله سبحانه محصورًا في شيء من مخلوقاته يحيط به ويحتاج إليه فهذا اللازم إما أنه يلزم من القول أين الله وإما أنه لا يلزم!

قال:  بل هو لازم له لا محاله.

قلت: لا يلزم من السؤال بأين هذا المعنى للمكان بالضرورة!

قال: ما دليلك ؟

قلت : دليلي أولا :هو سؤال النبي صلى الله عليه وسلم  للجارية بأين الله، فهو المبلغ عن ربه سبحانه، وهذا نص صريح في المسألة يقطع بجواز السؤال بأين، ولا يمكن أن يلزم من قوله هذا المعنى الباطل في حقه سبحانه ..

وثانيًا: جواب الجارية بأن الله في السماء، وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم لها في هذا الجواب والشهادة لها بالايمان يعني صحة قولها  بالضرورة ...

وثالثا: قولها في السماء تعني في العلو، والعلو لا يلزم منه أن يكون محصورًا في مكان يحيط به،  والنصوص قد تواترت بإثبات أن الله سبحانه مستو على عرشه فوق جميع خلقه، وهذا يعني أنه فوق العالم، فإذا قلنا أنه ليس ثمة موجود إلا الخالق والمخلوق، فالله سبحانه فوق المخلوقات بما فيها ما يسمى مكانًا، فإذا كان فوق جميع المخلوقات، فلا يكون محصورًا في شيء ولا يكون داخلاً في شيء، بل سبحانه وتعالى هو المحيط بجميع خلقه، فالأرض جميعًا قبضته والسماوات مطويات بيمينه، فكيف يحيط به شيء من خلقه؟

- وإذا كان الرب سبحانه فوق العالم، فليس فوق العالم مخلوق آخر، إذ العالم يجمع كل ما هو مخلوق، فليس ثمة موجود إلا الله سبحانه وتعالى، فصح السؤال بأين، ولم يلزم من ذلك أن يكون الرب سبحانه محصورًا  في مكان أو داخلًا في شيء، أو محتاجا إلى شيء .

قال: وهل للمكان معنى آخر غير أن يكون داخل الشيء ومحيط به ومحصورا فيه؟

قلت: المكان قد يعبر به على أنه سبحانه فوق خلقه، مستو على عرشه، فإن كان الإخبارعنه بالمكان يراد به هذا المعنى فلا بأس به، فقد أفاد معنى صحيحًا تواترت النصوص على إثباته، وهذا هو مقصود كل من أخبر عن الله بالمكان  من الأئمة وأهل  العلم من السلف والخلف، وتجد ذلك في سياق إثبات الاستواء على العرش  والفوقية والعلو له سبحانه .

 أما إن كان المقصود بالمكان أن يكون سبحانه محصورًا في شيء مخلوق مكان أو غيره يحيط به أو يحصره فهذا المعنى ممنوع وباطل لا يصح في حق الله، ومع ذلك فهو غير لازم للسؤال بأين كما وضحنا.

فقال: الحديث الذي ورد فيه السؤال بأين له روايات وله توجيهات نقول بها ..

قلت:  أيًا ما كان الأمر فقولك الأين من خصائص الأجسام لا دليل عليه أصلًا؛ وعلى فرض  لزومه المكان فقد بينا أنه لا يلزم منه معنى باطلًا في حق الله سبحانه .

قال: وأنتم تقولون بالجهة والحيز أيضًا.

قلت: الجهة والحيز والمكان بمعنى واحد، وقولنا فيها هو ما ذكرته في ما سبق، فإن قصدتم بالحيزما يحوز الشيء ويحيط به فالله سبحانه منزه عن ذلك فهو سبحانه أعظم وأكبر من أن يحيط به شيء من خلقه أو أن يكون في جهة مخلوقه بحيث تحيط به  وتحوزه، فهذا المعنى باطل في حق الله سبحانه والله سبحانه ..

فالجهة بهذا المعنى ننفيها عنه سبحانه وتعالى أما الجهة بمعنى أنه فوق جميع خلقه في جهة العلو على العرش فهذا ثابت بالنصوص لا يمكن دفعه بل يجب التسليم به والايمان بمقتضاه ...

قال: أنتم تقولون بأن الله له كيف، والكيف من خصائص الأجسام المتحيزة!

قلت: نحن نؤمن بأن الله له ذات وله صفات، ولا يمكن أن توجد ذات لها صفات إلا ولها كيف، فالكيف هو الهيئة والصفة التي يكون عليها الشيء، والهيئة التي يكون عليها الشيء هو كونه موصوفًا بصفات كذا وكذا،  كقولك أن الله سبحانه وتعالى موجود قائم بنفسه له ذات وهو سبحانه عظيم قديرعليم حليم رؤوف رحيم، فكل هذا وصف لما هو عليه من صفات وهذا هو الكيفية التي لا نعلم حقيقتها وإنما نؤمن بثبوتها.

ونفي الكيف بالكلية نفي أن يكون الشيء له وصف وهيئة، وهذا يعني نفي وجوده وتعطيل ذاته سبحانه وصفاته، ثم إن الأئمة أثبتوا الكيف له سبحانه ولصفاته ونفوا العلم بهذه الكيفية، فالكيف ثابت لكل موجود، ولكنا لم نقف عليها ففوضنا العلم بحقيقتها إلى الله، فقلنا كما قال مالك رحمه الله: "الاستواء معلوم والكيف مجهول"،"غير معقول"، يعني عقولنا عاجزة عن تصوره والإحاطة به، كما يعجز نظرنا عن رؤية الشيء البعيد وسماع الصوت البعيد، فكل شيء فينا له حدود يطيقها فما زاد عن ذلك نعجز عن إدراكه، ومن ذلك كيفيته سبحانه وكيفية صفاته، ومن نفى الكيف من العلماء إنما قصد بالنفي نفي العلم به لا نفي أصله .

وللحديث بقية.

وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.