إثبات مخالفة الأشاعرة للغة.. والرد على سعيد فودة في معنى الحيز

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على الرؤف الرحيم،لاوعلى آله وصحبه أجمعين.. وبعد :

فإن الله سبحانه قد أرسل كل رسول بلسان قومه ليتم البيان ويقيم الحجة فقال سبحانه: "وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم "، وقال سبحانه: " إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون "الآية، وقال جل وعلا: " بلسان عربي مبين " الآية، فالحجة والبيان في كونه عربيًا يعني بلسان العرب، فتوجب على جميع الناس فهم معانيه وتقرير أحكامه على وفق ما جاء في لغتهم وكلامهم ...

 - ومن المعلوم أن ما أحدثه المتكلمون في معاني المصطلحات الجسم والجوهر والعرض والحيز وغيرها، والتي خرجوا بها عن لغة العرب، من أعظم أسباب افتراقهم عن الجماعة وخروجهم عن السنة واتباعهم غير سبيل المؤمنين ...

فقد أحدثوا في هذه الألفاظ ما لم يدل عليه كتاب ولا سنة ولا إجماع، ولا تكلم به أحد من الأئمة المتبوعين، فلم يتكلم بها النبي صلى الله عليه وسلم أو صحابته أوالتابعون لهم بإحسان، بل إنه لمّا شاع ذكر شيء من هذه الألفاظ المحدثة عند الأئمة أنكروا ذلك غاية الإنكار وشنعوا على أصحابها غاية التشنيع ، كما كان من موقف الإمام أحمد من الحارث المحاسبي و ابن كلاّب وغيرهم ممن تلبس بشيء من هذه الألفاظ، فضلا عن موقفه المعروف من الجهم رأس الكلام، وما موقف الشافعي من أهل الكلام منا ببعيد ، فقد قضى عليهم بالضرب بالنعال والجريد، وأن يطاف بهم في الأسواق، ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام!

فهؤلاء أحدثوا هذه المصطلحات وخرجوا بها عن لغة العرب ثم حاكموا النصوص التي نزلت بلغة العرب إلى ما أحدثوه من معان اصطلحوا عليها فضلوا وأضلوا.

 - وأصل النزاع مع هؤلاء يرتكز فيما انتحلوه من طرق محدثة في إثبات الرب سبحانه وتعالى، وما يجب له من أسماء وصفات التي دلت عليها نصوص الكتاب و السنة.

- فمنهج السلف رضوان الله عليهم أجمعين هو الإيمان بمقتضى نصوص الكتاب والسنة، من إثبات الأسماء والصفات مع نفي مماثلة المخلوقات إثباتًا بلا تشبيه وتنزيها بلا تعطيل، فجعلوا باب الصفات واحدًا، حيث الموصوف واحد والمصدر واحد ، فأثبتوا جميع الصفات التي وردت بها النصوص بلا تفريق بين صفة وأخرى ،وعلى ذلك جاءت نصوص الأئمة متواترة.

- ويقابل هذا المنهج القويم منهج المعطلة، على درجات بينهم، وعلى رأسهم الجهم بن صفوان ومن اتبعه من المعتزلة وغيرهم من الفرق، الذين ناقضوا مقتضى هذه النصوص وزعموا أن إثبات ما دلت عليه لازم للتشبيه والتمثيل!

فمنعوا أن يوصف الله سبحانه وتعالى بشيء من هذه الصفات مطلقًا، فكانت سيرتهم في التعطيل المحض تقابل سيرة السلف في الإثبا ت المحض.

- ثم برزت بعد ذلك فرقة من أهل الكلام وكـأنهم راموا التوسط بين الفريقين، بين الحق والضلال، وكان من ضلالهم أن سلموا للمعطلة ببعض أصولهم فأثبتوا بعض الصفات بمقتضى دلالة النصوص والعقل ،وسموها صفات المعاني ، كالقدرة والحياة والإرادة وغيرها وزعموا بأن هذه الصفات لا يلزم من إثباتها تشبيها ولا تمثيلا، ثم عطلوا غيرها من الصفات كالعلو والاستواء والمجيء والنزول ، اليد،والوجه ،والقدم ،والعين وغيرها بحجة أن إثباتها يلزم منه التشبيه والتجسيم وقيام الحوادث في ذات الله سبحانه!

وجعلوا هذا التعطيل تارة تحت مسمى التأويل، وتارة تحت مسمى التفويض..

- فلا هم ساروا على طريقة السلف في التسليم لمقتضى النصوص في إثبات جميع الصفات دون تفريق بين صفة وأخرى، ولا هم ساروا على طريقة المعطلة المحضة في نفي جميع الصفات، بل توسطوا الفريقين فتناقضوا، واختلفوا فيما بينهم اختلافات يدل عليها اضطراب أقوالهم بين النفي والتأويل والإثبات والتفويض!

- فجعلوا الحجة ظاهرة عليهم من الفريفين :

- فأتباع السلف يقولون لهم: ما أثبتموه من الصفات حجة عليكم فيما نفيتموه ..

- والمعتزلة و الجهمية يقولون لهم: ما نفيتموه من الصفات مما لا يجوز على الله سبحانه حجة عليكم فيما أثبتموه، فكانوا عند هؤلاء معطلة وعند الآخرين مجسمة!

- وهؤلاء هم الأشاعرة ..

- ومع ذلك فهم أقرب الفرق الكلامية لمنهج أهل السنة، فهم محسوبون من أهل الإثبات مقابل المعطلة المحضة ويطلق عليهم كذلك اسم الصفاتية حيث أنهم يعدون من مثبتة الصفات في الجملة، وهم في مقابل منهج السلف مؤولة ومعطلة نظرًا لخروجهم عن منهجهم وطريقتهم القويمة .

 

- وأصل النزاع -كما سبق- إنما نشأ فيما سلكوه من طرق مبتدعة في إثبات الرب سبحانه وما التزموه من اصطلاحات محدثة ،كالجوهر، والعرض ،والجسم ،والحيز ،والجهة ،والحد ،وغيرها، مما خرجوا بها عن معانيها في لغة العرب ، فأخذت بأعناقهم بعد ذلك إلى هذا التعطيل الذي انتحلوه أو انتحله بعضهم من المتأخرين.

 

ومن هذه الطرق التي أحدثوها في معرفة الرب سبحانه وإثبات وجوده ما يسمى بدليل الحدوث ..

وأصله الاستدلال بالحادث على وجود محدثه ..

- ونحن لا نختلف معهم في دلالة الحادث على محدثه، والمخلوق على خالقه، فتلك طريقة القرآن التي قررها سبحانه حيث قال: "أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون " الآية، فاحتج سبحانه بوجودهم وخلقهم وإبداعهم على وجوده وكونه خالقهم، وهذه الطريقة برهانية مقدماتها ضرورية ومع ذلك فهي فطرية ضرورية، لخصها الأعرابي في قوله : "إن الأثر يدل على المسير والبعر يدل على البعير"، فما يختلف في ذلك العقلاء.

 

ولكن هؤلاء المتكلمين قد أضافوا إلى هذا الدليل الفطري من التعقيدات والإضافات ما أخرجه عن فطريته، ويسره وأدخله في تشقيقات كلامية كثيرة، فتكلفوا بيان الواضحات وإثبات الضروريات، فراموا أولًا إثبات حدوث الأجسام بعدم خلوها من الأعراض، فأثبتوا الأعراض وقالوا: ما لا ينفك عن الحوادث أو لا يسبقها فهو حادث، ليتوصلوا بعد كل هذا العناء إلى أن الأجسام حادثة!

والنفوس السوية والفطر السليمة تقر بحدوث هذه الأشياء بلا هذا العناء، بل إن حدوث الأجسام أظهر من حدوث الأعراض، ولكن القوم لما سلّموا للمتكلمين والفلاسفة أصولهم واستلموا هذه الإصطلاحات كالقوالب الجاهزة، لم يستطيعوا أن يحيدوا عنها، فالتزموا ما ورائها من معارضة النصوص وإبطال الشريعة ، بحجة أنه هذه الطرق عقلية يقينية، وما يخالفها من نصوص ما هي إلا ظواهر نقلية ظنية!

فما هي الأعراض؟

وما هي الحوادث؟

وما هو الجسم؟

وما هو الجوهر؟

وما هو قيام الحوادث؟

كل هذه الألفاظ قد أحدثوا لها من المعاني ما أخرجها عن المعاني المعروفة في اللغة!

- فترتب على إصطلاحهم المحدث في هذه الألفاظ أن جعلوا الكثير من صفات الرب تبارك وتعالى أعراضًا!

وجعلوا الكثير من أفعال الرب سبحانه حوادثًا!

وجعلوا إثبات صفات الرب سبحانه لازم للتحيز والتجسيم !

بل جعل الرازي مجرد الإشارة الحسية في رفع اليدين للدعاء حكمًا من الداعي على أن الرب سبحانه منقسم إلى فلقتين أو أكثر! وأن هذه الإشارة في ذاتها تعني أنه مركب من أجزاء، وأعضاء؛ وزعم أن هذه أحكام عقلية يقينية، فهل يخطر ذلك على قلب بشر؟!

فهذه هي أحكام العقول التي يزعمونها!

فعطلوا الكثير من الصفات والأفعال بناء على هذه التقريرات كنزوله وكلامه واستواءه وعلوه ومجيئه ورضاه ومحبته وسخطه وبغضه وإتيانه ومجيئه، ووجهه ويداه، وعينه وقدمه وغير ذلك مما تواترت به النصوص ..

 

- وهؤلاء لما خرجوا في هذه الألفاظ عن المعاني اللغوية أصبحت هذه الإصطلاحات ألفاظًا مجملة تحتاج إلى بيان وتفصيل لفرز المعاني الصحيحة والباطلة قبل الحكم بها نفيا أو إثباتا، فهذا هو المعقول وهذا هو مقتضى القول بالأصول في المجمل من الألفاظ ..

 

ولكنهم في محاولات لبعضهم زعموا أنهم لم يخرجوا عن مقتضى اللغة، وأن اصطلاحاتهم لها أصول في كلام العرب، وكذبوا في ذلك وتناقضوا تناقضًا فاحشًا كما سيأتي بيانه .

 

- فمن هؤلاء الذين تصدروا لهذه الدعوى في عصرنا هذا المدعو سعيد فودة، والذي يتصدر الطعن على منهج السنة وتشويه رموزه وأئمته وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ،مستبيحا في ذلك كل السبل من الكذب والافتراء والتدليس وبتر النصوص والتحايل، وغيرها، وقد أثبتنا عليه الكثير من الأكاذيب في سلسلة سميناها : (سلسلة أكاذيب سعيد فودة على شيخ الإسلام )، اقتصرت فيها على إبراز مواضع الكذب فحسب، ولم أتعرض للرد التفصيلي على كلامه، ليكون ذلك في خطة تالية بإذن الله ..

- وفي هذا الموضوع نتناول ما ذكره هذا الرجل حول مصطلح الحيز والتحيز وزعمه أن اصطلاح أهل الكلام في هذا اللفظ موافق لما عليه أهل اللغة، أوعلى حد قوله مطابقا بنسبة 95% لما جاء في اللغة!

 

ولقد تتبعته في كلامه حرفًا حرفًا وملأت من كلامه كراسة ويزيد، عسى أن أجد ما يصحح مدعاه فلم أجد سوى محاولات يائسات وإشارات خفيات، وادعاءات كاذبات!

فليس فيما ذكر من كتب المعاجم حرف واحد يوافق ما اصطلحوا عليه في لفظ الحيز أو المتحيز، اللهم إلا الإشتراك في " اسم الحيز " أو المتحيز " أما المسمى فشتان!

لقد ذكر فودة معنى الحيز عند أصحاب المعاجم وكتب اللغة كالفيروز أبادي وفي مختار الصحاح وعند المقيريزي وهو ما عند الخليل بن أحمد الفراهيدي وابن فارس وغيرهم ، وأنقل هنا بعض أقوالهم في معنى الحيز كي يقف القارئ على حقيقة كذبه ويرى ذلك بعينه ..

وهذا ملخص ما قالوه في معنى الحيز واشتقاقاته :

- الحوز: الجمع. وكل من ضم إلى نفسه شيئا فقد حازه حوزا وحيازة، واحتازه أيضا

- والحيز: ما انضم إلى الدار من مرافقها.

- تحوز الحية، وهو بطء القيام إذا أراد أن يقوم

- وكل ناحية حيز

- والحوز والحيز: السوق اللين. وقد حاز الابل يحوزها ويحيزها

- والاحوزي مثل الاحوذي، وهو السائق الخفيف

- المحاوزة: المخالطة. وتحوزت الحية وتحيزت، أي تلوت

- تحَّوز عنه وتحيزَّ وتحييز تفعيل الفائق في غريب الاثر للزمخشري

- والحَوْزاءُ : الحَرْبُ التي تَحُوزُ القومَ .

- والحوز موضع يحوزه الرجل يتخذ حواليه

- والحَوْزَة فَعْلَة منه سميت به الناحية

- ومنه الحديث أنه أتى عبد اللّه بن رَواحة يعُوده فما تَحَوَّز له عن فرَاشِه أي ما تَنَحَّى .

- التحوز من الحَوْزة وهي الجانِب كالتَّنَحِّي من النَّاحِية . يقال : تحوَّز وتَحيَّز إلا أن التَّحَوز تَفَعُّل .

- والتَّحَيُّز تَفْعِيل وإنما لم يَتَنَحَّ له عن صدْر فراشه لأنَّ السُّنة في ترك ذلك

وقالوا أيضا :

- وتحاوز الفريقان في الحرب، أي انحاز كل فريق عن الآخر

- وانحاز عنه، أي عدل

- تحَوَّزَ عنه وَتَحَيَّزَ : تنَحَّى

- والتَّحَوُّز التَّفَعُّل ، والتَّحَيُّز التَّفَيْعُل . وقال أبو إسحاقَ في معنى الآية : أي إلاّ أن يَنْحَازَ أي َنْفَرِدَ ليكونَ مع المُقاتِلَة

- وقال الليث : يقال : ( مالَكَ تَتَحَوَّزُ ، إذا لم تَسْتَقِرّ على الأرض )

- والحُوزِيَّةُ بالضمّ : الناقةُ *!المُنْحازَةُ عن الإبلِ لا تُخالِطُها .

- وانحاز القوم: تركوا مركزهم إلى آخر

- وقال أبو إسحاق في قول الله ( أو مُتَحيزاً إلى فئة) نصب منحرفّا ومتحيزاً على الحال، إلا أن يتحرّف لأن يُقاتل أو أن ينحازَ أي ينفرِدَ ليكون مع المقاتلة.

إلى غير ذلك ...

- فهذه المعاني والاستعمالات اللغوية للفظ الحيز تدور حول معنييين رئيسيين :

الأول: الإنحياز والانفصال والانفراد والتميز والمباينة وعدم المخالطة وهو فعل المتحيز .

والثاني: الحيز وهوالجهة أو الناحية أو المكان يحوزه ويحيط به .

فهذان المعنييان الرئيسيان الذان ترجع إليهما كل صور التحيز التي ذكرها أهل ا للغة .

- فالتحيز في المعنى الأول هو فعل الانحياز والانفصال وعدم المخالطة من المتحيز، والتحيز في

- المعنى الثاني .هو كون الشيء موجودا في الحيز أي المكان والناحية أو الجهة تحوزه وتحيط به.

ونحن نثبت الأول وننفي الثاني.

فالأول بمعنى الانحياز والانفصال والمباينة عن المخلوق، هو مقتضى نصوص الاستواء والفوقية والعلو.

أما الثاني فهو لازم لمن لم يثبت المعنى الأول، وهو قول أهل الحلو والاتحاد.

 ولقد ظل سعيد فودة أربعين دقيقة ، عشرون دقيقة من نهاية الشريط السادس وتلاها عشرون دقيقة أخرى في الشريط السابع كلها في نقل معاني الحيز من كتب المعاجم وأهل اللغة ولم يشر إشارة واضحة ومباشرة إلى المعنى الذي يدل على اصطلاحهم أو يتوافق معه، اللهم إلا محاولات خفيه وإشارات خجولة كذبها في آخر كلامه كما سيأتي!

وبعد ما انتهى فودة من نقل ما سبق، شرع من الدقيقة العشرين تقريبًا وإلى الدقيقة الخمسين من الشريط السابع – صوتي - في تقرير معنى الحيز عند المتكلمين فقال: - ( الحيز : هو الفراغ المتوهم ) ا.هـ

فأين هذا المعنى من كل ما نقلناه من المعاني اللغوية ؟!

- ثم نقل عن الرازي قوله :

(أن المعقول من معنى التحيز هو الحجمية أي كون الشيء ذا حجم وقدر، فكل ما له حجم فهو متحيز! )

ونقول أيضا : أين هذا المعنى من كل ما نقلناه من المعاني اللغوية ؟!

وهذا رابط كلامه : http://www.youtube.com/watch?v=QxHzcrjnwww&feature=youtu.be

 

-ثم فسر فودة هذه الحجمية في الدقيقة 33 بأنها :

- ( ليست أمرًا زائدة على وجود ذات الشيء بل – أي الحجمية - هي من خصائصه ومن ذاتياته أو هي من لوازمه النفسية ،ليس شيئًا خارجًا عن ذاته، ليس شيئا غيره )

ونقول كذلك : أين هذا المعنى من كل ما نقلناه من المعاني اللغوية ؟!

وهو على هذا الرابط : http://www.youtube.com/watch?v=7Xet45pPZM0

- وهذا معناه أن التحيز عند المتكلمين هو كون الشيء موجودًا قائمًا بنفسه وليس لتحيزه معنى زائد عن ذلك، بمعنى أنه لا يحتاج إلى أن ينحاز إلى حيز - وهذا هو المعنى الأصلي للحيز في كلام العرب - أو يدخل في حيز ليسمى متحيزاً، فلا يشترط أن يكون في مكان أو ناحية أو جهة تحوزه وتحيط به كما هو معنى الحيز في اللغة!

- فأي معنى من هذه المعاني يتوافق مع المعنى الذي نقلناه من كتب اللغة؟!

- إن هذه المعاني التي ذكرها فودة عن المتكلمين في معنى الحيز لا تتصل بحال مع الموجود في كتب اللغة، فما ذكروه هو عين الخروج عن اللغة!

 

فوجود الشيء في الفراغ الموهوم لا يعني سوى وجود الشيء في الخارج قائم بنفسه لا شيء زائد على ذلك ، يعني لا يشترط انحيازه إلى جهة أو مكان ولا يشترط إحاطة بشيء موجود على الحقيقة، وهذا نص كلام فودة في تفسير الفراغ الموهوم حيث قال :

" عندما نقول فراغ موهوم ، في الحقيقة لا يوجد فراغ في الخارج لكننا نتوهم بأنه موجود وهذا الوهم نفرضه فرضا " وهذا يعني وجود الشيء في لا شيء!

فلا شيء زائد في الحقيقة عن وجود الشيء بذاته في الخارج ، وهذا هو ما صرح به فودة على هذا الرابط :

http://www.youtube.com/watch?v=b8yh51Knvg8&feature=plcp

 وكل هذه المعاني خارجة عما في لغة العرب، فالبعد الموهوم والفراغ المتوهم والمكان المقدر المعدوم لا تعرفه العرب ولم تتكلم بحرف منه! لأن هذه جميعها لاشيء، والأحكام لا تبني على كون الشيء في لا شيء!

- فالعرب لا تعرف هذا المعنى الذي اصطلح عليه أهل الكلام في لفظ الحيز أو المتحيز، فالأمر لا يخرج عن كونه تشابه في الأسماء أو وقوع اشتراك في اللفظ دون المعنى!

 

- فقد قالوا انحازت الإبل: أي تنحت وسارت فجعل فودة الإبل متحيزة وهي في مكانها لم تتحرك!

وقال سبحانه : " إلا متحيزا إلى فئة " لما انحاز عن العدو إلى فئة من المؤمنين يقاتل معهم فجعله فودة متحيزا وهو بين العدو!

وقال أهل اللغة انحاز القوم: أي تركوا مراكزهم ،فجعلهم فودة متحيزين وهم في مراكزهم!

وقالوا حيز الدار: ما انضم إليها من المرافق : فجعلها فودة متحيزة بلا ضم ولا جمع!

وقالوا تحيزت الحية وتحوزت: أي تجمعت وتلوت ، فجعلها فودة متحيزة من غير تجميع ولا انضمام!

وهكذا فقد خالفهم فودة في كل ما اطلقوا عليه اسم الحيز أو المتحيز .

 فدعواه باطلة منقوضة، بل زاد على ذلك محاولاته التي كررها في التدليس على أصحابه ومحاولة الربط بين المعاني كما سيأتي .

- فبين الفينة والآخرى يرمي فودة بإشارات خفية أو صريحة، بأن بعض هذه المعاني اللغوية التي ينقلها توافق المعنى الاصطلاحي عند المتكلمين!

- فعند نقله تفسير المقيريزي للحيز بالمكان،صرح فودة بأن هذا نص صريح في محل النزاع وأنه لا يحتاج إلى تأويل :

http://www.youtube.com/watch?v=1F1iVHUWdQE&feature=youtu.be

وهذا الكلام باطل!

لأنه من المعلوم أن المكان والجهة في كلام العرب أشياء موجودة حقيقية تحوز الشيء وتحيط به، فينحاز إليها المتحيز أو ينحاز عنها إلى غيرها، بينما المكان والناحية والجهة عند المتكلمين هي أعم من ذلك ، فبعضهم يستعملها في هذا المعنى تناقضا منه كالرازي، فتارة يجزم بأن الحيز وجودي ويقيم على ذلك البراهين وتارة يجزم بأنه وهمي، وأغلبهم يجعلها أمورا مقدرة موهومة لا حقيقة لها، فهي فراغ متوهم ،وتقدير مكان، وكل هذا في الذهن لا حقيقة له في الخارج كما صرح فودة أكثر من مرة في أشرطته.

فالعلاقة بين معنى الحيز في اللغة ومعناه عند المتكلمين لا يخرج عن مجرد تشابه في الأسماء كما ذكرنا، فالتحيز عندهم ليس إلا كون الشيء موجودًا وله أبعاد وقدر، سواء كان في مكان وجودي أو لم يكن كالعالم، فهم يطلقون لفظ العالم على كل ما سوى الله ، ويجعلونه متحيزا مع أن االعالم عندهم ليس في مكان ولا يحيطه شيء إلا ما يسمونه فراغًا متوهمًا لا حقيقة له ..

فشتان بين المعنيين عند الفريقين، فهذا حيز موجود حقيقي يحوز الشيء ويحيط به، وهذا حيز معدوم متوهم لا حقيقة له .. ومحاولة فودة الربط بينهما ما هو إلا تدليس لا معنى له ولا قيمة!

- ثم أشار مرة أخرى في الدقيقة 16.37 من الشريط السابع إلى تحيز الحية ولمح بأنها متحيزة ولا يحيطها شيء أي لا في مكان كما هو على هذا الرابط : http://www.youtube.com/watch?v=qwL6z6q0Pmk&feature=youtu.be

فقوله أنها متحيزة بذاتها لا يحيط بها شيء، باطل وغير صحيح ،لأن الحية في موضع و تنحاز إلى موضع آخر فتجمع أطرافها إليها، فالجمع والضم والتنحي والسير والانحياز، من معاني الحيز والحية تتحيز بهذا المعنى، وهي في مكان بالضرورة قبل الإلتواء وبعده، والعجيب أنه من حوله يطأطؤن رؤوسهم تسليما وإذعانا لهذا الكذب الصريح ، فحقيق بهم أن يكذب عليهم، مع أن هذا هو أول ما تلى عليهم من معاني الحيز" الجمع والضم "، ولكن القوم أبعد الناس عن التحقيق!

- إن أهل اللغة لا يطلقون الحيز إلا على الجهة والناحية والمكان الموجود الذي ينحاز إليه المتحيز.

- ولايطلقون لفظ التحيز إلا على من قام بالانحياز أو ما حُيّز بفعل غيره .

- فلابد في كلا الإطلاقين من الانحياز على أي صورة من الصور السابقة التي نقلناها عن أهل اللغة

أما التحيز بالذات الذي يدعيه المتكلمون فهذا لا تعرفه العرب ولم تتكلم به مطلقا!

- فهم باصطلاحهم هذا خارجون عن جميع معاني الحيز والمتحيز المعروفة في لغة العرب.

 - كما أن العرب لا تسمي الشيء المستقر الثابت في مكانه متحيزا، فلا تسمى هذه الجبال متحيزة في لغة العرب ، ولذا قال الزهري في تهذيب اللغة :

( قال أبو الليث :يُقَال مَالك تَتَحَوَّزُ إِذا لم تَسْتقرَّ على الأرضِ )..

فهذا نص صريح أن العرب لا تطلق على المستقر والثابت متحيز، وهو يبطل كل ما ذهب إليه فودة من معنى الحيز ...

- والمفاجأة هنا أن سعيد فودة قد صرح بأنه لا يريد المعنى الموجود في اللغة؛ وذلك تعليقًا على كلام ابن تيمية رحمه الله!

وهذا هو رابط كلامه : http://www.youtube.com/watch?v=xT7GvPDzVR8&feature=youtu.be

 فقوله: (إذا قيل لك أن التحيز يراد به أن يكون متحيزا بمعنى أن يكون محاطًا به من غيره فبنقله يا سيدي لا ليس هذا المعنى الذي نريده ..) ا.هـ تصريح منه أنه لا يريد المعنى اللغوي ، فالحيز بمعنى إحاطة الشيء بالشيء ،هو المعنى اللغوي الذي يدور حوله جميع ما نقلناه من كلام العرب، فالمتحيز هو ما يحوزه غيره ويحيط به ،كما في قوله تعالى: " أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ" فهذا حيز موجود يحيط به بالمتحيز .

 

وقول فودة : ( بل التحيز الذي نريده سواء كان محاطا به من غيره أو لم يكن محاطا هل هو متحيز عن غيره بتحيزه او غير متحيز عن غيره بتحيزه هذا هو المعنى الذي نريده ) ا.هـ صريح في المخالفة للمعنى المعروف للحيز في كلام العرب، وهذا يعني أن الحيز الذي في لغة العرب ليس مرادًا عند المتكلمين، فهم قد جعلوا التحيز هو نفس وجود المتحيز وتميزه عن غيره بذاته،لا بانحيازه، وليس هذا ما نقلناه من كلام العرب في شيء!

 

- يبقى أن نقول أن ما أثبته المتكلمون من معنى الحيز مخالفين به ما جاء في لغة العرب لا يصح في نفسه، ولا نسلم لهم فيه فنحن نبطله ونرده عليهم، ولسنا معنين بإثباته أو نفيه، إذا هو تعريف مخترع لا وجود له إلا لديهم، وما كان فيه من معنى صحيح في حق الله تبارك وتعالى فنحن نقول به بمقتضى أدلة الشريعة لا يمقتضى إثبات هذا اللفظ أو نفيه، وما كان فيه من معنى باطل لا يجوز في حق الله ،فنحن ننزه الله سبحانه وتعالى عنه بمقتضى النصوص الشرعية لا بنفي هذا اللفظ المحدث، فهذا ما كان عليه سلف الأمة قبل اختراع هذه الاصطلاحات، والتكلم بها، فإنهم ما كانوا يعرفونها ولا تكلموا بها وهم من هم في العلم والفضل والإمامة، فنحن على ما كانوا عليه قبل اختراع هذه الألفاظ ،والله الموفق .

 

أما ما ذكره سعيد فودة في تفسيره للجهة الطبيعية ، فكل ما ذكره في معنى الجهة الطبيعية يحتاج إلى تحرير، فقد احتج الرجل بكلام المهندسين والفيزيائيين في هذه المباحث، ولكنه حاول جاهدا أن يغطي على خطأ الرازي في زعمه أن العالم له ست جهات، وهذا أول ما رد عليه فيه ابن تيمية حيث أثبت أن العالم له جهتان، وفي هذه المقطع يبدو على كلام فودة الاضطراب والتردد ظاهرا ، ولكن من حوله لا يفقهون أن الرجل في مأزق الدفاع عن الرازي في هذه المسألة، وأنه لابد له من تضيع المعنى الكلي للمسألة في أن العالم بما أنه كروي فليس له إلا جهتان فقط لا ست جهات، وعلى كل فكلامه يحتاج إلى تحرير ليس هذا مقامه، ولعل أحد المهندسين يكفينا بيان تلبيس الرجل فيما ذكر على هذا الرابط :

http://www.youtube.com/watch?v=Xt0Agfq1g50&feature=youtu.be

 

ونأتي أخيرًا : على تعليق فودة على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فيما نقله عنه من مجموع الفتاوى قي معنى الحيز كما هو على هذا الرابط :

http://www.youtube.com/watch?v=rfIlgODo3xY

 فأقول هذا تعليق متعسف مردود على صاحبه ، حيث أن ابن تيمية رحمه الله يتكلم عن الحيز بمعناه الموجود في لغة العرب، ووجوه استعمالاتهم له، فيستعرض أظهر المعاني اللغوية في نقاشه لأهل الكلام الذين ينفون عن الله سبحانه وتعالى التحيز فيقول لهم :

( إن أراد به أن الله تحوزه المخلوقات فالله أعظم وأكبر، بل قد وسع كرسيه السموات والأرض، وقد قال تعالى: "وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ" . وقد ثبت في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يقبض الله الأرض ويطوي السموات بيمينه ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض" .) ا.هـ

أي إن أردتم بنفي الحيز عن الله سبحانه نفي أن يحوزه شيء من مخلوقاته فالله أعظم وأكبر، أي أنه سبحانه أعظم وأكبر من أن يحوزه مخلوق أو يحيط به شيء من خلقه لا مكان ولا غيره .

وهذا تصريح من شيخ الإسلام بأن هذا المعنى من معاني الحيز لا يجوز في حق الله سبحانه ..

 - ولكن سعيد فودة لا تعجبه طريقة ابن تيمية ويتزمر منها ويتشكى، ويدعي أنها تطويل لا داعي له، وحيده عن محل النزاع، وهذا من تعسفه ، ولو رجع إلى كلام الرازي في تأسيسه وفي نفس هذا الموضوع لوجد الرازي يتبع نفس الطريقة وبنفس الألفاظ! فعلام ينقم على ابن تيمية رحمه الله ؟!

فالمقرر عند شيخ الإسلام وغيره أن أهل الكلام قد خرجوا في معاني هذه الألفاظ عن لغة العرب، فصارت الألفاظ بما أضافوه إليها من معان مجملة، لا يصح نفيها أو إثباتها في حق الله سبحانه إلا بعد بيان أصحابها وتصريحهم لما قصدوه من اصطلاحهم، ولذا فقد استعرض ابن تيمية رحمه الله أظهر المعاني اللغوية للفظ الحيز، لأننا مخاطبون بما جاء في لغة العرب التي نزل بها القرآن وقررت بها الشريعة لا باصطلاحات هؤلاء المتكلمين ..

ثم قال له رحمه الله : (وإن أراد به أنه منحاز عن المخلوقات، أي مباين لها، منفصل عنها ليس حالا فيها ،فهو سبحانه كما قال أئمة السنة: فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه.) ا.هـ

 أي إن كنت تقصد بنفي الحيز نفي انحيازه عن خلقه ومباينته لهم فهذا المعنى ثابت لله سبحانه وتعالى بمقتضى النصوص المثبتة للعلو والاستواء، وقد نص الأئمة كالإمام ابن المبارك والامام أحمد وإسحاق ابن راهويه وغيرهم على ذلك، فإثبات المباينة لله سبحانه وتعالى هو منهج السلف رضوان الله عليهم لتحقيق العلو ونفي الحلول الذي يقول به أهل البدع من الجهمية والاتحادية ..

 ثم زعم سعيد أن ذكر لفظ الحلول في قول ابن تيمية: (أي مباين لها، منفصل عنها ليس حالا فيها) لا محل له ولا فائدة؛ وهذا الكلام غيرصحيح!

- بل المباينة التي أثبتها شيخ الإسلام تنافي الحلول والاتحاد الذي يقول به أهل البدع، ولا سبيل لنفي حلول الله سبحانه في خلقه إلا بإثبات المباينة والانحياز والانفصال بالذات!

- فليس في ذاته سبحانه شيء من مخلوقاته وليس في مخلوقاته شيء من ذاته جل وعلا.

فكل من يثبت المباينة يصح له نفي الحلول الذي حكم عليه فودة بأنه كفر.

أما من لم يثبت المباينة فلا يصح له ولا يستقيم منه نفي الحلول!

وإن ادعى نفي الحلول مع عدم إثبات المباينة بهذا المعنى ،فهو متناقض يلزمه القول بالحلول كقول الجهمية ولا دليل على ادعائه في نفي الحلول إلا مجرد الدعوى ...

فمباينة الله سبحانه وتعالى عن خلقه من أعظم المعاني التي أجمع عليها السلف، والتي يلزم منها نفي الحلول، فهو سبحانه وتعالى مستو على عرشه بائن عن خلقه ..

أما دعوى فودة بأن المباينة معناها المغايرة بمعنى أن الله سبحانه " غير خلقه "، فهذا تعريف باطل وغير صحيح، كما أن إثباته لا ينفي الحلول، فالقائلين بالحلول لم يدّعوا أن الله سبحانه هو عين خلقه، حتى نقول أن إثبات أن الله "غير خلقه " ينفي الحلول!

 بل تفسير المباينة بالمغايرة هو من اصطلاحات أهل الكلام المحدثة المخالفة لمنهج السلف وطريقتهم.

والإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله إنما أثبت المباينة ردًا على الجهمية الذين يقولون بأنه سبحانه في الأرض فقال:"نَعْرِفُ رَبَّنَا فَوْقَ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى، بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَا نَقُولُ كَمَا قَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ بِأَنَّهُ هَهُنَا. وَأَشَارَ إِلَى الْأَرْضِ".

فهذا يقطع بمراد السلف في معنى المباينة أنه تميز بالذات وانحياز عن المخلوقات، ويكذب فودة في إدعائه في معنى المبيانة بالمغايرة ولا معنى بعد ذلك لتشقيقاته الكلامية التي يرمي بها مخالفيه فهذا هو دأبه ودأب سلفه من الأشعرية هداهم الله!

 

هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .