معنى النقيضين والضدين وكيف يتلاعب به الأشاعرة

الحمد لله وحده.

أما معنى النقيضين والضدين فمعروف وكلاها مما يتلاعب به الأشاعرة كما سيأتي  ..
فالمتقابلان أولا هما نوعان من أنواع المختلفان المقابلة للمتماثلان، ومن ذلك منعهم الجمع بين المختلفين والتفريق بين المتماثلين، كما هو مذكور في علم الأصول .
فكل موجودين إم أن يكونا متماثلين أو مختلفين، وكل مختلفين إما أن يكونا متقابلين أو لا يكونا متقابلين.
 فإن كانا مختلفين بلا تقابل جاز اجتماعهما في محل واحد كالسواد والحلاوة، والبياض والبصر، أما إن كانا متقابلين فهذان يمتنع اجتماعهما في محل واحد في زمان واحد من جهة واحدة .
وقولهم : " في محل  واحد " إشارة إلى أن هذين المتقابلين مما لا يقوم بنفسه ، فليس الكلام عن كل موجود إذن؛ بمعنى أن التقابل والاختلاف والتماثل وغير ذلك إنما محله الصفات والمعاني والمفاهيم مما لا يقوم بنفسه، وليس في الذوات والحقائق المعينة، بمعنى أيضًا أن التعارض والاختلاف والاجتماع والافتراق هو من جهة قيامها في المحل المعين .
وهذه المتقابلات حصرها المتكلمون والفلاسفة في وجوه أربعة ومنهم من جعلها خمسة ،ومنهم من يضيف إليها وينقص على خلاف بينهم في ذلك، لكن على أية حال فالمتقابلان يمتنع فيهما اجتماع الطرفين معًا في محل واحد في زمان واحد من جهة واحدة، فهذا المعنى متأكد في جميع الوجوه وهو المعنى الجامع لهم .
أما وجوه التقابل فهي : 
المتناقضان.
المتضادان.
المتضايفان .
المتقابلان تقابل العدم والملكة .
فالنقيضان هما كل متقابلين متخالفين يمتنع اجتماعهما في محل واحد في زمان واحد، وذلك لأن أحدهما ينفي الاخر ويدفعه بذاته ، فأحد طرفيه وجودي والآخر عدمي يعني عدم هذا الوجودي ،فالشيء ونقيضه يعني الشيء وعدمه..
والضدان هما كل متقابلين وجوديين ينفي أحدهما الآخر لا بذاته، ولكن بلوازم وجوده، فوجود أحدهما يلزم منه عدم وجود الآخر، فكلا الطرفين وجودي، ولكن لتخالفهما وتعاندهما ينفي وجود أحدهما الآخر، فهما يتقابلان تقابل تضاد وتنافر وكأن المحل لا يحتملهما معًا، فلا يجتمعان، ولكن لما كان كل منهما له نقيض مغاير عن ضده جاز ثبوت نقيضهما الذي هو في حقيقته طرد لوجودهما ونفي له، فجاز أيضًا خلو المحل عنهما وارتفاعهما معًا.
فالأبيض نقيضه عدم الأبيض أو اللأبيض ،والأسود نقيضه اللأسود، فلما جاز ثبوت أحد النقيضين جاز أن يكون الشيء المعين لا أبيض ولا أسود من جهة ارتفاع نقيضهما، ولذا جاز ارتفاع الأبيض والأسود معًا لجواز ثبوت نقيضهما، فالضدان لا يجتمعان معًا ولكنهما قد يرتفعان معًا، خلافًا للنقيضين.
الذين لا يرتفعان معًا، وأعظم ما يميز النقيضين عن غيرهما من أوجه التقابل هو عدم وجود واسطة  بين طرفيهما ،فليس هناك واسطة بين العمى والبصر فكل موجود إما أن يكون أعمى وإما أن يكون بصيرًا وليس هناك واسطة بينها،كما أنه لا يمكن أن يستحيل أحدهما إلى الآخر! 

-والقول بأن المحل غير قابل لهما ليس واسطة، لأن نفي القابلية يجب أن يكون راجعًا لذات الوصف لا لاعتبارت خارجة عن الوصف، فليس ثمة وصف يتوسط العمى والبصر في الحقيقة، بخلاف التضاد فالبياض والسواد يمكن أن يتوسطهما أي لون آخر غيرهما، ولذا جاز ارتفاعهما معًا عن المحل، أما النقيضان فلا يجوز ذلك فيهما لعدم الواسطة، وكون المحل غير قابل لا يختص بالنقيصين ولا بالضدين بل هو حاصل في كل أو جه التقابل، فكل أوجه التقابل يمكن أن يقال فيها أن محلاً ما لا يقبل الوصف بها ، وهذا غير راجع لنفس الصفة وما يقابلها ولكن راجع لاعتبارات أخرى غير ذلك ..
أما الضدان فكلاهما وجودي لكنهما متعاندان متخالفان كالأبيض والأسود، فلو أن عندنا سائلاً  أبيضًا وآخر أسودًا فإن كلاهما وجودي بالضرورة .. فلو جئت إلى جدار أو صفحة ما مثلاً  وصبغتها باللون الأسود ثم بعد أن جف اللون صبغتها باللون الأبيض ، فإنه سيتحول اللون من الأسود إلى الأبيض، وهكذا لو عكست، فكلا الطرفين وجودي،ولكن لا يجتمعان في محل واحد، ومع ذلك فلوجود الواسطة بينهما فقد يزولان معًا، فلا يكون الشيء أبيضا ولا أسودا، فيكون بلون مختلف عنهما كالأصفر والاخضر مثلاً، وهنا نلحظ أن زوال الضدين  ليس متعلقًا بالوجود أو العدم، بخلاف النفيضين فأحدهما يجب أن يثبت حكمه في كل موجود ..
ولكن بعض الأضداد وجد أنها تأخذ حكم النقائض في عدم جواز ارتفاعها أو زوالها معًا عن المحل مع كون الطرفان وجوديين وذلك لعدم الواسطة بينهما ..
ومن هنا نعلم أن المتضادات منها ما يكون بين طرفيها واسطة ومنها ما لا يكون  كذلك ...
فالبياض والسواد والحلو والمر وغيرها من المتضات بنهما واسطة كالاصفر والمز فيما سبق ،ولذا جاز خلو المحل عن عنهما، أما ما لايكون بين طرفيه واسطة كالخروج والدخول فحكمه حكم المتناقضين في عدم جواز ارتفاعهما معا فلا يخلو المحل عن أحدهما وذلك لأن الطرفين وجوديان ولا واسطة بين طرفيهما فيأخذان حكم النقائض ومن الممكن التجوز بإطلاق اسم النقيضين عليهما.

-والأشاعرة هنا يحكمون على الله بحكم وهو قولهم بعدم قبوله للدخول والخروج لأن هذا بزعمهم من خصائض المتحيزات، وهم ينفون عن الله الحيز.
وهذا الحكم - عدم القابلية- يحتاج أولا إلى دليل ولا دليل عليه، بل الدليل على ضده وهي النصوص الدالة على علوه واستواءه ومباينته للخلق.
فحكمهم على الله بأنه لا يقبل الدخول والخروج تحكم منهم لا دليل عليه. 
ويجب أن يقيموا الادلة على ذلك وإلا بطل قولهم وهو باطل!
- فهم يستندون إلى مجرد دعاوى يبنون عليها مثلها، كقولهم بأن هذا خاص بالمخلوق وقولهم بأنه هذا يكون للمتحيز أو يكون بشرط التحيز، وهذا يرجع بنا إلى ضرورة الدخول معهم في معنى التحيز ومراهم به، وعند التحقيق نجد أن ما ذهبوا إليه من معنى باطل مخالف للغة والشرع، فالتحيز في اللغة لا يخرج عن معنيين الأول :
يكون بحيث يحوز الشيء غيره ويحيط به فيقال عنه في حيز أو متحيز .
الثاني :
أن ينحاز الشيء عن غير فيتميز عنه بذاته وهو معنى الانفصال والمباينة، وهذا المعنى ثابت لله سبحانه وتعالى لأنه لازم لعلوه على خلقه واستوائه على عرشه، وهو ما أثبته السلف رضوان الله عليهم أجمعين ...
فهذان هما المعنيان اللغويان الموجودان في كتب اللغة التي نزل بها القرآن، وفسر بها ما جاء من قوله سبحانه وتعالى : "إلا متحيزاً إلى فئة " وراجع تفسيرها ...
أما هؤلاء فقد خرجوا على ذلك كله واصطلحوا معان لا تمت لما سبق بصلة؛ حيث جعلوا كل قائم بنفسه له قدر من الاقدار متحيزاً، فقالوا المتحيز هو كل موجود يشغل فراغًا متوهمًا تنفذ فيه أبعاده، وهذا المعنى لا يمت للمعنى اللغوي بصله فهو اصطلاح باطل ابتداءً! 
ثم إذا حققنا فيه نجده ينطبق على كل موجود له قدر يميزه عن غيره، وينطبق أيضًا على معنى القيام بالنفس عندهم، فنفي التحيز عن الله سبحانه بهذا المصطلح يلزم منه نفي ذات الله ونفي قيامه بنفسه وجعله مجرد معنى من المعاني ومفهوم من الفاهيم التي لا وجود لها في الأعيان ..
- والدخول والخروج من أحكام الوجود المشتركة والتي لا يخرج عنها موجود قط، ومثل ذلك تقسيم الموجودات إلى الواجب والممكن، والقديم والحادث، والقائم بنفسه والقائم بغيره، فهذه أحكام لا يخرج عنها موجود قط، فكل موجود لابد أن يكون أحد هذه التقسيمات وإلا فهو عدم بالضرورة، وذلك لان هذه أحكام جامعة لكل موجود ..
والله أعلم