كلام ابن سينا في معنى التقابل

فنقول: إن المتقابلين هما اللذان لا يجتمعان فى موضوع واحد من جهة واحدة فى زمان واحد معا. وكل شيئين لا يجتمعان فى موضوع واحد، فإما أن لا يجتمعا على سبيل أنّ شيئا واحدا لا يوصف بهما بالمواطئة، بأن يكونا مقولين عليه، بأن الشىء هو هذا وذاك، كما يكون الشىء الواحد حيا وأبيض معا، أو على سبيل أن الشىء الواحد لا يوصف بهما بالاشتقاق أيضا، وذلك بأن يتمانعا من حيث الكون فيه أيضا.
والقسم الأول يكون أحدهما فى قوة سالب الآخر، كالفرس واللافرس، فلا يخلو إما أن يكون الاعتبار من حيث السالب منهما سالب فقط، أو من حيث هناك زيادة معنى إيجابى لزمه السالب، كما إذا جعلنا المتقابلين أو الشيئين المذكورين: الزوج والفرد، وجعلنا الفرد، ليس كونه فردا، هو أنه ليس بزوج فقط، بل إنه أمر زائد على ذلك. فليكن الأول، هو تقابل النفى والإثبات، إما بسيطا، كما هو فرس لما ليس بفرس من حيث ليس بفرس؛ وإما مركبا، كقولك زيد فرس زيد ليس بفرس. والأول لا صدق فيه ولا كذب، والثانى فيه صدق وكذب، ويشتركان فى أنه ليس فيهما إشارة إلى وجود من خارج، بل اعتبار أحكام عقلية. فإنه لو كان اللافرسية من حيث هى لا فرسية، شيئا له وجود بوجه، لكان الماء فيه سلوب موجودة بالفعل لا نهاية لها، لأنها ليست بحجارة، ولا مثلث، ولا ثنائية، ولا رباعية، ولا أمر من الأمور التى لا تتناهى، وكان يكون نسب سلبية حاصلة فيه لا نهاية لها لا مرة واحدة بل مرارا متضاعفة بلا نهاية ولا غاية، إذ كان لكل جملة تفرض سلب مستأنف، بل هذا شىء فى اعتبار العقل وفى القول.
ومن خواص هذا القسم، أنه لا يمنع اجتماع ما يقع عليه من المتقابلين فى موضوع واحد، بأن يكونا فيه، لا بأن يكونا عليه. وذلك لأن الرائحة ليست طعما، وتُقابل الطعمَ من حيث ليس طعما، ويجتمعان فى موضوع على سبيل الوجود فى موضوع، فكل ما لم يجتمع فى موضوع على سبيل الوجود فيه، فليس يجتمع فى موضوع على سبيل القول عليه، ولا ينعكس. ثم إن المتقابلين اللذين أوردناهما، يختلفان فى أن تقابل الفرسية واللافرسية لا صدق ولا كذب فيه، وتقابل " أن زيدا فرس " لقولنا " زيد ليس بفرس " فيه صدق وكذب.
وأما القسم الآخر، فمثل الحرارة والبرودة والحركة والسكون، ومثل أمور أخرى تجرى مجراها. فلنقل أولا: إنه لا شك أن الفرس واللافرس يعدان فى المتقابلات، وكذلك قولنا، " زيد فرس " ، مقابل لقولنا، " زيد ليس بفرس " . وكذلك الزوج والفرد يعدّان من المتقابلات؛ وكذلك العمى والبصر يعدّان من المتقابلات؛ وكذلك الحركة والسكون يعدّان من المتقابلات؛ وكذلك الحرارة والبرودة يعدّان من المتقابلات؛ وكذلك الأبوة والبنوة يعدّان من المتقابلات.
والأشياء التى تتعرض لها هذه الأحوال، يحكم عليها بأنها تتقابل بسببها؛ وصور هذه الأشياء متخالفة، فإن الفرس جوهر، ويقابله اللافرس لا محالة، على قياس مقابلة الفرسية، إن كانت عرضا. ولتسلم ذلك للافرسية، بل خذ مكانها النفس واللانفس، أو شيئا آخر مما هو جوهر ليس مشتق الاسم من عرض. وأما القضية فهى عرض، والفرس واللافرس ليس يتقابلا التقابل الذى للنقيضين، إذ لا صدق هناك ولا كذب، ولا يتقابل على سبيل الإضافة، ولا على سبيل التضاد، إذا كان تقابل التضاد ما يكون فيه جواز تعاقب على موضوع واحد، بشرائط ذكرت. وأما الزوج والفرد، فليس لهما موضوع واحد يتعاقبان عليه، بل جنس واحد، لموضوعين لهما، لا يفارقانه. وأما العمى والبصر، فيشارك السكون والحركة، فإن العمى ليس معنى مقابلا للبصر، بل هو عدمه، وكذلك السكون للحركة، لكن السكون يعاقب الحركة على موضوع واحد، وأما العمى فلا يعاقبه البصر.
وأما المتضايفان، فليس يجب فيهما التعاقب على موضوع، أو اشتراكهما فى موضوع، حتى يكون الموضوع، الذى هو علة لأمر ما، يلزمه لا محالة إمكان أن يصير فيه معلولا، أو يكون هناك موضوع مشترك. وإن كانت العلية والمعلولية من المضاف، فأول ما ينبغى أن يطلب، أنه هل يمكننا أن نجد لهذه كلها معنى جامعا، ولو على سبيل التشكيك فى التقديم والتأخير، إن لم يكن على سبيل التواطؤ البحت، أو لا نجد لها معنى جامعا ؟ لكن التقابل مقول عليها، فيشبه أن يكون التقابل الأول هو نظير ما للفرس للافرس، الذى يمنع اجتماع طرفيه، قولا عى موضوع، وإن لم يمنع ذلك، وجودا فى موضوع. فإنه لا يكون شئ واحد هو رائحة ولا رائحة، ويكون شئ واحد فيه رائحة وما ليس برائحة، ولست أقول: إنه يجتمع فى شئ أن يكون فيه رائحة وليست فيه رائحة، فإن هذين لا يجتمعان. وليس قولنا إن فيه رائحة وليس فيه رائحة، هو قولنا فيه رائحة وما ليس برائحة؛ ولا يقال إنه رائحة. فإذن تقابل: أن فيه رائحة وليس فيه رائحة، هو من القسم الأول الذى على سبيل الحمل؛ فلذلك يحمل على التفاحة أن فيها رائحة، فيقال إن التفاحة فيها رائحة، ولا تحمل رائحة على التفاحة، حتى يقال، إن التفاحة رائحة، فلذلك هى موجودة " فى " ، لا محمولة " على " .
فجميع الأشياء المتباينة الطبائع تكون متقابلة، من حيث إن كل واحد منها ليس هو الآخر. وهذا هو تقابلٌ أول، ثم نقل التقابل عن اعتبار الحمل على موضوع إلى اعتبار الوجود فى الموضوع. فجعلت حال الأمور التى تشترك فى عام أو خاص، تكون موجودة فيه بالقوة معا، ولا تجتمعان بالفعل معا، تقابلا. فبعضه يختص بالقول، من حيث هو حكم، كالإيجاب والسلب، الذى موضوعها المحمولات والموضوعات تتعاقب فيه ولا تجتمع معا، وهذا بحكم القول. وليس فى الوجود حمل ولا وضع. وبعضه يكون من خارج، فمن ذلك ما تكون الشركة فيه عام، ومنه ما تكون الشركه فيه خاص معين، ويكون المشترك فيه طبيعة هى بالقوة كلا الأمرين، لكن لا يجتمعان فيه بل يتعاقبان عليه.
فالمتقابلات تقال على هذه التى بعد الباب الأول، بمعنى أنها معان اشتركت فى موضوع لها أن توجد فيه، إلا أنها لا تجتمع فيه، فيكون معنى هذا التقابل كالجنس لأقسام له كالأنواع، إما أقسام محققة، وإما أقسام بحسب ما يصلح للمبتدئ، وتكون أسهل على متعلم قاطيغورياس.
فلنقسم الآن على الوجه الذى ينبغى أن يفهم عليه الاصطلاح الذى فى قاطيغورياس، وهو غير المصطلح عليه فى العلوم، ومَنْ تجثم أن يجمع بين الأمرين فقد عنِّى نفسه. أما القسمة التى فى قاطيغورياس فتخرج على هذا الوجه: المتقابل إما أن تكون ماهيته مقولة بالقياس إلى ما هو مقابل له، وإما أن لا تكون. فإن كانت ماهيته مقولة بالقياس إلى غيره، فهو تقابل المضاف كالأبوة والبنوة. أما أنه تقابل فلأن الأبوة والبنوة وما يجرى مجراهما، تشترك لا محالة فى موضوع، إما عامى كالإنسانية بل والجوهرية بل كالموجود أو غير ذلك، وإما خاص كهذا الإنسان يكون يمينا لزيد ثم يصير شمالا له. وأما أنه مع التقابل، مقول الماهية بالقياس، فأمر لا شك فيه. وأما الذى ليست ماهيته مقولة بالقياس إلى غيره، فإما أن يكون الموضوع صالحا للانتقال من أحد الطرفين بعينه إلى الآخر من غير انعكاس، وإما أن لايكون كذلك، بل يكون صالح الانتقال من كل واحد منهما إلى الآخر، أو ولا عن أحدهما إلى الآخر لأن الواحد لازم له؛ فيسمى القسم الأول تقابل العدم والقُنْية، ونعنى بالقنية، لامثل الإبصار بالفعل، ولا مثل القوة الأولى التى تقوى على أن يكون لها بصر، بل القنية أن تكون القوة على الإبصار، متى شاء صاحبها، موجودة، فإنَّ فّقْد القوة الأولى ليس بعمى، ولا فقد الإبصار بالفعل، بل الإبصار بالفعل، وإن لا يبصر بالفعل لكن بالقوة، هما أمران يتعاقبان على الموضوع تعاقب الحركة والسكون؛ إنما ذلك هو فقد ما سميناه قنية، فحينئذ، لا يمكن أن يبصر البتة، بل عمى لا يعود الموضوع معه إلى الإبصار مرة أخرى. فالعدم الذى ههنا، ليس هو العدم الذى يقابل أى معنى وجودى شئت، بل الذى يقابل القنية؛ فإن العدم يقال على وجوه، ولسنا نريد الآن أن نحصى جميعها، بل ما يعنينا فى هذا الموضوع، فنقول: إنه يقال للشىء عدم كذا، ويشار إلى حال ماَّ للمادة فى كونها خالية من الشىء الذى يخليها، والشىء الذى له معنى وجودى سواء كان قارنها ما خالف ذلك الشىء الوجودى، أو لم يكن، مثل عدم السواد فيما من شأنه أن يسود، سواء كان هناك بياض خالف السواد فى موضوعه أو لا يكون، بل يكون إشفاف مثلا فقط ولا لون ألبتة. فإنه إذا كان هناك بياض، فليس البياض وعدم السواد فى ذلك المحل شيئا واحدا، ولو كانا أيضا متلازمين، بل البياض معنى قائم بإزاء السواد؛ فهذا وجه من وجوه اعتبار العدم ومقابله.والآخر، العدم الذى يعتبر بشرط أن يزول المعنى الوجودى ولا يخلفه شىء، كالسكون. فإن الذى ينزل، إنما يقال له فى وقت آخر إنه ساكن عادم الحركة، لا إذا كان ليس ينزل، فقط إنما هو يصعد، ولكن عند ما لا يكون فيه حركة مكانية ألبتة، فهذا العدم بالحقيقة مقابل للجنس، الذى هو ههنا الحركة المكانية مطلقة. وقد يقال عدم، بشرط فقدان الشىء الذى من شأنه أن يكون لفاقده من الموضوعات، وفى الوقت الذى من شأنه أن يكون له، حتى لا يقال إن فى النطفة عدم الإنسانية بهذه السبيل، ولا فى الصبى عدم الإيلاد إذ ليس وقته.
ومن العدم ما يقال قبل الوقت، كالمرد، فإنه لا يقال لمن عدم اللحية فى وقت الإنبات بسبب داء الثعلب إنه أمرد. ومنه ما يقال بعد الوقت، كالصلع، يكون بعد وقت الوقور، والنعم، ومنه ما هو بالقياس إلى الجنس، لا إلى النوع، مثل العجمة بإزاء الناطق؛ أو إلى النوع، لا إلى الشخص، مثل حال المرأة إلى الرجل؛ ومنه ما هو بالشخص على الأقسام المذكورة. وهذه كلها لا يلتفت إليها فى هذا الكتاب. إنما العدم المقصود فيه، هو العدم الذى هو فقدان القنية فى وقتها، أى فقدان القوة التى بها يمكن الفعل إذ صار الموضوع عادما للقوة، فلا يصلح بعد ذلك أن يزول العدم، كالعمى؛ وأما القنية فستزول إلى العدم. فهذا هو التقابل العدمى المذكور فى قاطيغورياس.
وأما القسم الثانى من القسمين اللذين ذكرناهما أولا، وما دخل فيه، فجميعه سمى فى قاطيغورياس أضدادا، كان أحدهما وجوديا، والآخر عدميا بالوجوه المذكورة للعدمى، أو كان كلاهما وجوديا. وكذلك إن كان الموضوع ينقل من كل واحد منهما إلى الآخر، أو كان أحدهما طبيعيا لا ينتقل عنه ولا إليه، كالبياض للجص. وسواء كان الموضوع واحدا بعينه، كالماء للتسخن والتبرد، أو كان معنى عاميا، مثل العدد للفردية والزوجية، فإنه ينسب إليهما من حيث يوجد عددا على الإطلاق، لا من حيث هو عدد معين. وهو من حيث هو عدد معين، لا يصحب إلا إحداهما، ومن حيث هو عدد غير معين لا يجب أن يقبل إحداهما دون الأخرى. وسواء كان الشيئان بينهما واسطة، فلا يجب أن يكون الموضوع، إذا خلا عن أحدهما، وجد فيه الآخر أو لم يكن كذلك، بل كان إما طبيعيا لا يفارق، وإما بحيث إذا خلا عن الآخر لزمه الثانى، كالصحة والمرض، فإن جميع هذه، نسميها أضدادا فى هذا الموضع من حيث المعنى الجامع، فنسمى الحر والبرد، والصحة والمرض، والزوج والفرد، والحركة والسكون، أضدادا، ولا نبالى بأن يكون أحدهما هو معنى وجودى، والآخر معنى عدمى، وعلى أى أنحاء الأعدام كان، إذا كان ليس عدما، على النحو المذكور. فلا يجب أن يشتغل المعلم لكتاب قاطيغورياس بأن يجعل العدم غير الضد، قائلا: إن الضد هو ذات تخلف المعنى الوجودى فى الموضوع، وإن العدم ليس بذات، بل هو، أن يعدم المعنى الوجودى، فيكون الموضوع خاليا عنه فقط. فإن الضد الذى يقال فى هذا الكتاب، ليس يعنى به هذا، فإن الحركة والسكون يكونان حينئذ غير متضادين، ولا الزوج والفرد متضادين، ولا الخير والشر، ولا العلم والجهل، ولا أكثر ما ذكر ههنا. ولا يجب للمتكلف أن يتعرض للاستدراك، كما فعل بعض الناقضين، فيقول: إن القسمة غير مستوفاة، فإن ههنا مقابلة غير المقابلة التى للضد، وغير التى للعدم المذكور، مثل مقابلة السكون والحركة، إذ لا تضاد بينهما، ولا السكون والحركة، إذ لا تضاد بينهما، ولا السكون حاله حال العدم المذكور فى هذا الكتاب. وليعلم هذا المتكلف: أن التضاد الذى يذكره فى كتاب قاطيغورياس، ليس هو ذلك الذى ذهب إليه، وأنه لم يخف على المعلم الأول ما لايخفى عليه، ولينظر إلى الحدود دون الأسماء، وليعلم أن المبتدئ لا يكلف تصور ما يدق من الفروق بين المعانى المتقاربة، فإنه يكتفى منه فى تعليم المتقابلات بأن يفاد تصورا ما بنحو من الأنحاء، وإن كان التصور منه لبعضها على نحو التصور العامى؛ ولا يسأم أن يفهم الفرق بين الذات المقابلة للذات، وبين عدم الذات المقابلة للذات، إلا فيما يظهر ظهور العمى. ولا أيضا قول هذا المتكلف، فى بعض ما يهذى فيه، أنه قد ترك المعلم الأول التقابل الذى بين الجوهر والعرض، وبين الصورة والمادة، مما يجب أن يلتفت إليه.
ولتعلم أنه ليس يعنى بالتقابل، حال كل غيرين متباينين كيف اتفق، بل أما الأول من التقابل فهو تقابل اليس والليس، وذلك موجود فى الجوهر والعرض؛ فإن الجوهر لا عرض، والعرض لا جوهر. وأما ما بعد ذلك، فشرط المتقابلين أن يكونا فى موضوع واحد جنسى أو نوعى، على أنهما فيه لا عليه، وهذا الشرط غير موجودين بين الجوهر والعرض، فلا تقابل بينهما. أما العلاقة والملازمة فهى إضافة تلزم، إما أحدهما، فيلحق الآخر غير لازم على ماهو الحال فى بعض ذوات الإضافة مما قد تبين واتضح، أو تلزم كليهما فيكونان به متضايفين من حيث اللزوم، فعلى هذه الصورة يجب أن تفهم التقابل المذكور ههنا.
الفصل الثاني
فصل ( ب )
في شكوك تلحق ما قيل في التقابل
ثم ههنا مشكلات يجب أن تورد فتحل؛ وذلك أن لقائل أن يقول: إن الحرارة وحدها لا تكون ضدا، بل تكون حرارة فقط، بل إنما تصير ضدا بالقياس إلى البرودة، وهو إذا أخذت بالقياس إلى البرودة ضدا كانت مضافة، فإنها وإن لم تكن، من حيث هى حرارة، من المضاف، فليست أيضا بمضادة، بل إذا كانت مقيسة كانت ضدا، وإذا كانت مقيسة وضدا، صارت أيضا مضافا، فهى من حيث هى ضد، ماهيتها مقولة بالقياس إلى غيرها، ومن حيث هى ماهيتها مقولة بالقياس إلى غيرها، هى من المضاف، فهى من حيث هى ضد هى من المضاف. فيكون التضاد والمضاف إما شيئا واحدا، أو يكون التضاد شيئا داخلاً تحت المضاف، فلا يكون كالقسيم له تحت التقابل. وههنا مشكل آخر، وهو أن التقابل، من حيث هو تقابل، من المضاف، ثم المضاف تحت التقابل، وأخص منه؛ وهذا محال، سواء كان دخولاً كما تحت الجنس أو دخولاً كما يكون تحت معانٍ ليست أجناسا، ولكنها لوازم، أو مشككات الأسماء. بل وما يجب أن يبحث عنه، هل التقابل جنس لهذه أو ليس بجنس، وإن كان جنساً فهل هو جنس أعلى، أو ليس بجنسٍ أعلى؛ فهذه المباحث مما يخلق أن يبحث عنها المنطقى، إذ كان تكلّف الخوض فيها بهذا الفن من العلم أليق. فنقول: إن الحرارة ينظر إليها وإلى البرودة معاً، فتكون الحرارة من حيث هى حرارة ضداً للبرودة، ثم توجد من حيث هى حرارة ضداً للبرودة، ثم توجد من حيث هى ضد مرةً أخرى، فتكون مضافة إلى البرودة، فتكون الحرارة بنفس اعتبارها مع البرودة يصح عليهما معنى حد الضد وهو أنهما كذا وكذا، ولا يصح عليهما معنى التضايف، إذ ليس أحدهما مقول الماهية بالقياس إلى الآخر، وكل واحد منهما منازع للآخر فى الموضوع. فصحيح لك أن تقول: إن الحرارة والبرودة كل واحد منهما منازع الآخر موضوعه إن كان مشتركاً، وليس صحيحاً لك أن تقول: إن الحرارة والبرودة كل واحدة منهما مقولة الماهية بالقياس إلى الأخرى؛ لكن صحيح لك أن تقول: إن الحرارة من حيث تنازع وتضاد البرودة فى موضوعها مقولة الماهية بالقياس إلى الأخرى. فإذن الموضوع فى حمل الضدية شئ، والموضوع فى حمل الإضافة شئ، هو إما نفس المحصول الأول، وإما الموضوع مأخوذا مع المحصول الأول ملحوظاً فيه الأخذ مع المحمول الأول. ونفس التضاد شئ، والأشياء المتضادة شئ. والأشياء المتضادة، هى الموضوعات للشئ الذى هو نفس التضاد، ونفس التضاد موضوع للمضاف.
ولك أن تقول: إن الموضوعات للمضادة، إذا أخذت متضادة، صارت بسبب ذلك مضافة، وليس لك أن تقول: إن الموضوعات للمضادة، إذا أخذت مضادة، صارت بسبب ذلك مضادة.فالمضاد إذن غير المضاف، وليس الأمر الذى هو التضاد هو الأمر الذى هو المضاف، وإن كان التضاد يلزمه المضاف من حيث هو تضاد، فهذا حل شك. وأما حل الشك الثانى، فيجب أن تعلم، أن المتقابلات تعرض لها الإضافة، وليست فى هويتها بمضافات، فإنَّ كل تقابل من حيث هو تقابلُ مضاف، وليس كل تقابل بمضاف؛ وفرق بين قولنا: إن كل تقابل من حيث هو تقابل مضاف، وبين قولنا: إن كل تقابل مضاف.وذلك لأن التضاد من التقابل، وقد علم أن الموضوع له، ليس هو الموضوع للمضاف، كما بينا. لكن الموضوع له، من حيث هو تقابل، يصير موضوعاً للمضاف. فلذلك ليست الأمور المتضادة مقولة الماهية بالقياس إلا أن تقال من حيث هى متضادة، ولا الملكة والعدم من المضاف. ولو كان المضاف أمراً مقولاً على التقابل قولا مطلقا، لكان كل متقابلين فهما متضايفان مطلقا، لا بشرط إلحاق أنهما كذلك من حيث هما بحال كذا، لكن كل متضايف فهو متقابل، وكل متضاد وكل عدم وملكة، وليس كل متقابل من المضاف، فليس إذن المتضايف أعم من المتقابل، فليست الإضافة أعم من التقابل. ومع هذا فإن الذى هو خاص قد يعرض لكل ما له طبيعة العام، باعتبار شرط يصير العام به أخص، وهو ههنا النظر إليه من حيث هو متقابل، وهذا النظر يخصّصه، فيمنع عمومه لكل ما تحته ويحرّم حمله عليه. ولذلك لا تقول: إن المتضادات هى متقابلات من حيث المتقابلات متقابلات، وإن كنت تقول: إن المتضادات متقابلات، فإن ذلك كذب، بل كونها من حيث هى متقابلات اشتراطا، أخذها بالمعنى الذى هو الموضوع لعموم التقابل، وأخذها بذلك المعنى، كأخذ الحيوانية من حيث هى حيوانية، محذوفة عنها الخصائص بشرط الحذف. فحينئذ يلزم الحيوانية ما لا تحمل على جميع جزئيات الحيوانية، فإن الحيوانية إذا كانت كذلك، يلزمها أن تكون عديمة النطق، وليس كل حيوان عديم النطق. وكأخذها لا فى مادة، إذا نظر فيها من حيث ليست فى مادة، وليس كل حيوانية كذلك.
وأما التقابل، فليس جنسا لما تحته بوجه من الوجوه، وذلك لأن المتضايف، ماهيته أنه مقول بالقياس إلى غيره، ثم يلحق هذه الماهية أن تكون مقابلا ليس أنها تتقوم بهذا. فإنه ليس هذا من المعانى التى يجب أن تتقدم فى الذهن أولا، حتى يتقرر فى الذهن، أن الشىء ماهيته مقولة بالقياس إلى غيره، بل إذا صار الشىء مضايقا، لزم فى الذهن أن يكون على صفة التقابل. فالذاتية بشرائطها؛ غير موجودة بين التقابل وبين الأشياء الى هى كالأنواع للتقابل، حتى يكون كونها متقابلات داخلة بقوة أو بفعل فى الحدود هذه كلها. والقوانين المفيدة فى هذه الأعراض ستشرح لك فى مواضع أخرى. والآن، فينبغى أن نستأنف الكلام من رأس، فنقول: أما الفرق بين المضاد والمضاف، فهو أن المضاف مقول الماهية بالقياس، والمتضادات ليست كذلك؛ ولذلك لا نقول: إن الخير إنما هو خير لأجل قياسه إلى الشر، كما نقول: إن الضعف ضعف بسبب قياسه إلى النصف، بل نقول إن الخير مضاد للشر، ثم حينئذ نقول: وهو من حيث هو مضاد فهو مضاف. ومما يفارق به المضاد المضاف، أن المتضادات لا تخلو إما أن لا يتعرى الموضوع فيها من أحد الطرفين فلا يكون بينهما واسطة، وقد يتعرى منهما فيكون بينهما واسطة؛ مثال الأول، الصحة، وهى ملكة فى الجسم الحيوانى يصدر عنه لأجلها أفعاله الطبيعية وغيرها على المجرى الطبيعى غير مؤوفة. وسواء نسبت إلى البدن كله، أو إلى عضو واحد، وسواء كانت بالحقيقة أو بحسب الحس، فإن الذى يحسب الحس، رسمه بحسب الحس والمرض، حالة أو ملكة مقابلة لتلك، فلا تكون أفعاله من كل الوجوه كذلك، بل يكون هناك آفة فى الفعل، ولا يخلو الموضوع عنهما ألبتة، فكذلك الفردية والزوجية. والذى ظن أن بين الصحة والمرض وسطا هو حال لا صحية ولا مرضية، فإنما ظن ذلك لأنه نسى الشرائط التى ينبغى أن تراعى فى حال ما له وسط وما ليس له وسط؛ وتلك الشرائط أن يفرض الموضوع واحدا بعينه فى زمان واحد بعينه، وأن يكون الجزء واحدا بعينه، والجهة والاعتبار واحدة بعينها. فإذا فرض كذلك، وجاز أن يخلو الموضوع عن الأمرين كان هناك واسطة، فإن فرض إنسان واحد، واعتبر منه عضو واحد، أو أعضاء معينة، فى زمان واحد، وجاز أن لا يكون معتدل المزاج سوى التركيب، بحيث تصدر عنه جميع الأفعال التى تتم بذلك العضو أو الأعضاء سليمة، وأن لا يكون كذلك، فهناك واسطة. وإن كان لا بد من أن يكون معتدل المزاج سوى التركيب، أولا يكون معتدل المزاج سوى التركيب، إما لأنه أحدهما دون الأخر، أو لأنه لا واحد منهما، فليس بينهما واسطة. ومثال الثانى السواد الصرف، والبياض الصرف، فإن بينهما وسائط ألوان، وقد يخلو الموضوع من كليهما إلى الوسائط، وربما خلا إلى العدم بأن يصير مشفا، فتكون الواسطة، سلب الطرفين مطلقاً من غير إثبات واسطة خلطية من الطرفين. وهذه الواسطة الخلطية، ربما كان لها اسم محل كقولك الأدكن والفاتر، وربما لم يكن لها اسم محصّل، بل إنما يدل عليها سلب الطرفين، من غير أن يعنى بسلب الطرفين السلب الذى لا إثبات تحته، بل يراد به إثبات، كقولهم: لا عادل ولا جائر. وإذا عنى بالسلب سلب لا يشير إلى إثبات متوسط، دل عليه بواسطة غير خلطية، كقولهم: السماء لا خفيفة ولا ثقيلة، والهواء لا أبيض ولا أسود، فالأضداد تنقسم إلى هذين القسمين وبهذا يخالف التضاد، تقابل العدم والملكة، لأن المتقابلين بالعدم والملكة لهما موضوع واحد، من شأن كل واحد منهما أن يكون فيه، فتكون فيه الملكة ويكون فيه العدم، ولكن ليس كيف اتفق، بل إنما يكون فيه العدم بأن يعدم الملكة من موضوع، وقتاً من شأنها أن تكون موجودة فيه للموضوع، كما يعدم البصر فى الموضوع، وقتاً من شأنه أن يكون له ملكة البصر، وتسقط الأسنان وقتاً من شأنها أن لا تسقط فيه،بل تبقى. فهنالك يكون أحدهما عمى، والآخر درداً، فإن الجرو الذى لم يَفْقَح، لا يقال له أعمى، ولا الطفل أيضاً ساعة يولد، يقال له أدرد، بل إذا حان أن يكون له بصر وسن، ولم يكونا، فهو أعمى وأدرد. وهذا الشرط غير موجود فى قسمى تقابل التضاد، فإن الموضوع المشترك للضدين اللذين لا واسطة بينهما، يجوز فى كل وقت أن ينتقل من أحدهما إلى الآخر إلا أن يكون طبيعيا لا يفارق، كبياض تقنس.والموضوع المشترك للضدين ذوى الواسطة، فقد يخلو جميعاً إلى الواسطة، إن لم يكن أحدهما له طبيعيا، ولا واسطة بين العدم والملكة، ولا انتقال من العدم إلى الملكة، بل من الملكة إلى العدم. وافهم بعد ذلك، أنا إذا قلنا عدم وملكة أو غير ذلك من المتقابلات، فلسنا نشير من العدم والملكة ومن سائر المتقابلات إلا إلى طبائعها، لا إليها، من حيث وجودها للموضوع، أو كون الموضوع متصفا بها، فليس العمى " وأن يعمى " . والبصر، " وأن يبصر " ، شيئا واحد. وكذلك يقال: زيد يعمى، ولا يقال: زيد عمى، ويكون العمى أيضا لزيد معنى يقتضى نسبة العمى إلى زيد. وأما العمى، فهو معنى مفهوم بنفسه، أو مفهوم بسبب ما عدمه، أعنى البصر إذ هو عدم البصر. فهذه ليست هى المتقابلات الأول، بل أمور تلحق المتقابلات، فيعرض لها أن تكون متقابلة.
وكذلك الحكم فى الموجبة والسالبة، فإن ما يقع عليه الموجب والسالب أمر أو معنى لا قول، بل هو الموضوع، كقولك: زيد، فى قولك: زيد جالس، أو زيد ليس بجالس. وأما ما يوجب ويسلب نفسه، فهو أيضاً ليس بقول، بل هو محمول فى القول، كقولك: جالس وليس بجالس. فليس إذن الشئ الذى له تقابل بالإيجاب والسلب، هو الإيجاب والسلب؛ هذا إن أخذنا التناقض موجبه وسالبه. فإن أخذناه إيجاباً وسلباً، كان الموضوع، لذلك، والموصوف به، وضعاً ووصفاً، على قياس ما كان للعمى والبصر، هو القضية. فإنها هى التى فيها الإيجاب، فيشتق لها منها الاسم، فيقال: موجبة، أو السلب، فيقال: سالبة، فيكون المتقابلان فى الإيجاب والسلب ليسا هما الإيجاب والسلب، ولأن الإيجاب إيجاب فى قضية، فليست القضية إيجاباً.

لذلك فإذا عرف هذا، فقد عرف حال التضاد، وحال العدم والملكة، وكان قد عرف الفرق بين المضاف وبين التضاد، فليفرق بين تقابل المضاف، وتقابل العدم والملكة فنقول: أما العدم والملكة فليس أحدهما مقولاً بالقياس إلى الآخر، أما الملكة فليست مفتقرة فى تصورها إلى العدم ألبتة، فإنها قد تتصور ماهيتها فى نفسها؛ وأما العدم كالعمى، فإنها وإن كانت لا تتصور إلا بتصور الملكة، فإنها ليست مقولة الماهية بالقياس إلى الملكة، فإنها غير صائرة عمى بالقياس إلى البصر، حتى يكون العمى إنما هو عمى لأجل قياسه إلى البصر، وإن كان العمى هو عدم البصر.
وقد ظن بعض الناس فى هذا الموضع، أن معنى هذا الكلام أن العمى ينسب إلى البصر من طريق جنسه، حتى يكون كما قيل فى النحو من أنه مضاف من طريق جنسه، وكذلك العمى مضاف من طريق جنسه أو ما هو كجنسه وهو العدم، فإن العدم معقول بالعرض. ويسبب ماهو عدمه. وليس هذا الذى قاله صواباً بوجه من الوجوه. فإن العدم الذى هو جنس العمى، ليس مقول الماهية بالقياس إلى شئ، ولا بالقياس إلى الملكة، فإن العدم ليس إنما هو عدم لأجل أنه مقيس إلى صورة موضوعة فى الذهن، بإزائها، يقال لها عدم، حتى يكون العمى عمى لأن الملكة ملكة، كما يكون الأب أبا لأن الابن إبن، فينعكس القول من الجانبين كما قد علمت، إذ قول الماهية بالقياس، معناه هو حال الشئ من جهة أن شيئا آخر موجود بإزائه، ومأخوذ بإزائه من حيث هو كذلك، لنفس كون ذلك الشئ بإزائه. وليس حال الملكة عند العدم كذلك، فإن العدم يرفع الملكة، وليس العدم إنما هو عدم لأجل أن الملكة ملكة فقط، بل إنما هو عدم للملكة لا على أنها تجعل الملكة بحال، بل على أنه منسوب إليها بأنه زوالها وفقدانها لا فقدان شئ آخر كيف اتفق، ولذلك لا تحتاج الملكة أن تقال ماهياتها بالقياس إلى العدم المأخوذ بإزاء الملكة فلما كانت المضافات مقولة الماهية بالقياس، وكذلك ما يتكافؤ المضافان فى العكس الخاص بالمضاف، ولم يكن العدم والملكة على هذه الصورة، فلا يقال: إن البصر بصر للعمى، ولا أن البصر إنما هو بصر لأجل العمى، كما ربما نقول: إن العمى عمى البصر. فظاهر أن العدم والملكة ليسا متضايفين، وكان قد علم بإشارةٍ ما أنهما غير متضادين، فإن المتضادين اللذين لا واسطة بينهما حكمهما أحد الحكمين: إما أن يكون أحدهما طبيعيا للموضوع، يستحيل وجود الموضوع خالياً عنه، كالفردية للثلاثة فى ظاهر الأمر، والحرارة للنار؛ وإما أن لا يكون أحدهما طبيعياً، فلا يكون الموضوع فى شئ من الأوقات خالياً عن أحدهما ألبتة، مثل الصحة والمرض لبدن الإنسان. ثم العدم والملكة، فقد يكون الموضوع خاليا عنهما جميعاً، قبل الوقت الذى من شأنه أن يكونا فيه، مثل الجرو الذى لم يَفْقَح، فإنه لا بصير ولا أعمى؛ ولا يكون أحدهما طبيعياً بعينه للموضوع فى وقت كونه، فهذا التقابل ليس فيه أحد حكمى التضاد الذى لا واسطة فيه. وأما التضاد الذى فيه واسطة، فإن الموضوع فى وقت صلوحه للطرفين، قد يخلو عن الطرفين إلى الواسطة، ولا كذلك حال تقابل العدم والملكة، فإن الموضوع لا يخلو فى وقت صلوحه لهما عن أحدهما. وأيضا فإن الأطراف من المتضادات، إذا لم تكن طبيعية فقد يمكن أن تنتقل من كل واحد منهما إلى الآخر، فإنه ليس ما يقال: إن الذى له ملكة الرداءة، لا ينتقل إلى ملكة الصالحين بشئ، فإنه لما كان إذا عاشر الصالحين انتقل إلى عاداتهم ولو يسيراً، فيوشك أن ينتقل عند الارتياض إلى التمام، أو يقارب التمام إن لم يخترم. ولا كذلك حال العدم والملكة، فإن الملكة تنتقل إلى العدم، والعدم لا ينتقل إلى الملكة، لا قليلاً ولا كثيرا، فإن الذى يكون غير بصير، ثم يأخذ يبصر يسيراً يسيراً، فليس بأعمى، بل حكمه حكم محجوب أو مغموم أو معصوب البصر، يحتاج أن يزال المانع وينمحى. فالملكة التى هى القوة المبصرة ثابتة موجودة فيه، إنما العمى بالحقيقة أن تكون الملكة قد زالت، فأما إذا حجبت أو غمت، فليس ذلك بعمى، فقد افترق التقابل الذى للعدم والملكة، والذى للمتضادات.
فأما التقابل الذى هو التناقض، فيفارق الجميع من جهة أن المتناقضين يصلح فيهما الصدق والكذب، وليس فى العمى ومقابله، ولا فى الحرارة ومقابلها، ولا فى الأخ ومقابله، صدق ولا كذب. وأيضاً فإن المتناقضين إذا كانا على شرائط، لزم أن يصدق أحدهما ضرورة، ويكذب الآخر، ولا كذلك الحال فيما سوى المتناقضين. ولا أيضا إن ألّف مما سواهما قضايا، حتى يكون مكان صحيح وليس بصحيح أحد الأضداد التى لا وسائط بينها. كالصحيح والمريض، فإنه وإن كان زيد إذا كان موجوداً فقيل: إنه صحيح وإنه مريض، يصدق أحدهما ضرورة،ويكذب الآخر. فلا ينبغى أن يظن أن هذا القسم من التضاد يقابله تقابل النقيض، وذلك لأن الصحيح، وما ليس بصحيح، إذا قرنا بأى موضع شئت، وبالمعدوم، قرنا على شرط النقيض، ثبت تقابل النقيض، وصدق أحدهما، وكذب الآخر. فإنك إذا قلت: الحجر صحيح، والحجر ليس بصحيح، صدق السالب منهما؛ فإذا قلت:الحجر صحيح، الحجر مريض، كذبا جميعا.وكذلك إذا جعلت الإخبار عن زيد، وهو معدوم، كذب أنه صحيح، وكذب أنه مريض، ولم يكذب أنه ليس بصحيح. فإن السلوب كلها تصح عن المعدومات، وذلك لأن اإيجاب للمعانى الموجودة يكذب عليها، إلا بشرط وحال ليس هذا موضع بيانه،لأن الإيجاب حكم بوجود معنى لمعنى. أو وجود وصف لأمر، ولا يوجد المعنى لما ليس بموجود، وأن لا يوجد، فهو السلب. فإذا كان ما لا يتوسط فيه من المتضاد يفارق المتناقض، فكيف اللواتى بينها متوسط، التى قد يكذب الطرفان معا جميعاً فى الموضوع الموجود القابل لهما، كما إذا قيل للعفيف إنه خامد الشهوة، أو فاجر. وبين بالجملة أنك إذا نظرت إلى التضاد من حيث هو تضاد، لم يوجب ما يوجبه التناقض، وإنما يعرض له ما يشبه ذلك لبعض المتضادات، وفى بعض الموضوعات خاصة، لا لأنها تضاد بل لأنها لا واسطة لها. ومن هذا الوجه كله، يتضّح الفرق بين تقابل التناقض وتقابل العدم والملكة، فإن الموضوع الغريب كالحجر، والمعدوم كزيد المتوفى، يكذب عليه القولان المؤلفان من العدم والملكة، كقولنا: الحجر بصير، الحجر أعمى، أو قولنا: زيد المعدوم بصير، زيد المعدوم أعمى. ولا يكذب المتناقضان معاً إذا قلنا: الحجر أو زيد المعدوم بصير، الحجر أو زيد المعدوم ليس ببصير. وأيضا فإن الموضوع الذى ليس بغريب، قد يكذب العدم والملكة فيه إذا لم يكن الوقت الذى من شأنه أن يكون فيه، كقولنا للجرو الذى لم يَفْقَحّ بصير أو أعمى، ولا يكذب أنه ليس ببصير.
الفصل الثالث
فصل (ج)
في التعبير عن أحكام وخواص في المتضادات
الشر على الإطلاق من حيث هو شر، يظن أنه ضد الخير على الأطلاق، فكل واحد من جزئيات الشر، ضد لواحد من جزئيات الخير، كالمرض للصحة، والجور للعدل، والجبن للشجاعة، والفجور للعفة، فهذه حال مضادة الشر للخير. وأما مضادة شر آخر للشر، فقد يكون الذى يضاد الشر شرا آخر. وذلك لأن الملكات المتوسطة بين طرفى الإفراط والتفريط، فى الأمور المتعلقة بالشهوة والغضب، والمتعلقة بالتدبير الجزئى فى اقتناء الخير إلا لشىء، تتعلق بها الفضائل اللواتى هى كالشجاعة والعفة وحسن التدبير الذى يسمى حكمة، وتكون هى الفضائل؛ والإفراطات والتفريطات تتعلق بها الرذائل فإن الجبن، والتهور، والخمود، والفجور، والجريزة والغباوة، رذائل. والتوسط يضاد الطرفين، وكل واحد من الطرفين يضاد الآخر لبعده عنه، وهذا التوسط المضاد للطرفين إنما يوجد فى يسير من الأمور نحو التى ذكرناها. وأما فى أكثر الأشياء، فإن الخير يضاد الشر مطلقا، ولا يوجد للشر شر يضاده مثل الصحة والمرض، والعلم والجهل، والحياة والموت. فمن ذلك ما الإفراط فيه كله ردىء، كالمرض، ومن ذلك ما الإفراط فيه كله خير، كالعلم، فهذا هذا. وقد قال بعض المفسرين فى شرح قولهم: وهذا فى يسير من الأمور التى تخالف هذا القانون، أن قائل هذا القول، يعنى به أن بعض الوسائط فى الإفراطات والتفريطات ليست بخير، مثل القتل فإنه ليس الوسط فيه بخير، بل كله ردىء؛ وأما اللاقتل فكله خير، وليس إنما يكون الطرف فيه يعينه فقط هو الردىء.
وليس الغرض فى هذا الكتاب هذا، بل الغرض أن من الشرور ما يوجد له خير بضاده، وشر أيضا يضاده، وذلك إذا كانت هناك طبيعة موضوعة للإفراط والتفريط، من أول حدود الإفراط إلى آخر حدود التفريط، ذاهبا باتصال واحد. فهناك يوجد متوسط وطرفان فى الطبع، ويكون المتوسط خيراً أيضاً يضاد الطرفين اللذين يضاد كل واحد منهما الآخر، وهذا فى يسير من الأمور. وليس الحكم فى كل الأمور هكذا، فان العلم خير، والجهل شر، وليس هناك للشر ضد إلا الخير. وليس هناك وسط هو خير وطرفان هما شر، وكذلك الحال فى أشياء أخرى كثيرة. فهذا معنى ذلك الكلام للمعلم الأول، إليه ذهب، ولم يلتفت إلى متوسط بين الطرفين للإفراط والتفريط وضعيين، كما ذهب إليه هذا الشارح. ولو ذهب إلى ذلك، لكان إنما يرينا أن الشر ليس الذى يضاده فلان، وليس غرضه أن يرينا هذا، بل غرضه أن يرينا أن الشر الذى يضاده الخير، يضاده الشر، وربما لم يضاده. وليس فى الذى أوردوه من أمر التوسط ذلك. وأما حديث القتل أيضاً، فإنه ليس مثالا حسناً فى ذلك، لأن قتل من ينبغى حين حين ينبغى على الوجه الذى ينبغى، هو من أفعال الشجاعة، ومن الواجب فى حفظ المدينة، وهو خير، كما أن ترك قتل من ينبغى قتله على الوجه الذى ينبغى وحين ينبغى، هو من الشر. وبعد هذا، فيجب أن نعود إلى عادتنا فى التعقب، فنقول: ينبغى أن تعلم، أن الخير ليس يضاد كل واحد من الرين بالذات، لأن الشجاعة ليست تضاد الجبن من حيث هو جبن، بل من حيث يشارك الجبن التهور. وذلك لأنه رذيلة مخسة للنفس، والشجاعة فضيلة، فإذن الضم بالذات للواحد واحد. وتحصيل هذا، أن النظر فى هذه الملكات هو على وجهين. نظر فى طبائعها ومعانيهْا، غير مضافة إلى موضوعاتها من حيث أنها تفيدها حالا يلزم موضوعاتها لأجلها محمدة أو مذمة أو منفعة أو مضرة، وهو أن ينظر فى جملة الطبيعة التى بين الجبن والتهور، ماراً على الشجاعة من حيث هى ملكات يصدر عنها أفعال ما، فحينئذ لا نجد الشجاعة مضادة لأحد الطرفين، بل تكون أمراً متوسطاً، ويكون الطرفان هما المتعاقبان على موضوع واحد، وبينهما غاية البعد، فيكونان هما الضدان فقط؛ والثانى، نظر فيهما من حيث الحال التى تحصل لموضوعها منها، وذلك باعتبار أنها أمور تناسب مصلحة نفس الانسان أو نوع الإنسان أو لا تناسبه، وهذا اعتبار أمر يعرض للكيفيات، من جهة إضافات لها وليس فى ذواتها. كما أن كون الشىء حاراً أو بارداً، غير كونه موافقاً وصحة، وكون الجسم فى طبيعته بحال، غير كونه دواء نافعاً أو سماً قاتلاً، فتكون الخيرية والشرية أمرين يلزمان هذه الكيفيات من جهة مقايستها إلى الطبيعة الإنسانية، ولذلك لا يلزمانها من جهة مقايستها إلى أبدان حيوانات أخرى.
وإذ قد اتضح لك ما قلناه، فقد علمت، أن الكيفية التى تقال لها شجاعة، والأخرى التى يقال لها جبن، لا يتضادان فى جوهريهما؛ بل قد علمت أن الشجاعة إنما تضاد الجبن من جهة عارض لكل واحد منهما لما اقترن بهما سمى أحدهما شجاعةً والآخر جبناً، ةأنها لا تضاد ذلك من حيث طبيعتها نفسها شيئاً، بل طبيعتها وسط، ولكن لما كان ناء هذا الكتاب على الأمور المشهورة والمتعارفة، غير مردودة إلى الشروط التى بها تصير حقيقة، فلذلك لا يجب أن يلتفت فيه ألى هذا النحو من التحقيق. واعلم أن ههنا أموراً أخرى بينها متوسطات، ولا يوجد المتوسط فيها مضاداً لشىء من الطرفين بوجه من الوجوه، إذ ليست لها هذه النسبة، فإن الفاتر والأدكن لا يضاد شيئاً، بل طرفاً هما المتضادان، وإن كان حال الفاتر فيما يظن ليس كحال الشجاعة، فإن الفاتر يعتقد من أمره أنه خلط من الطرفين، وأما الشجاعة فإنها طهارة من الطرفين. ومع ذلك ، فإن هذه القسمة المشهورة تتأتى فى تقابل التضاد، ولا تتأتى فى تقابل العدم والملكة. ومن أحكام المتضادين، أن وجود أحدهما مطلقاً، لا يوجب وجود الآخر بوجه من الوجوه إيجاب المتضايفات، فإنه لو توهمنا أن الناس كلهم صحاح، لم يمنع هذا التوهم منا معارضة وجوب المرض، ولم يبعد أن لا يكون مرض ألبتة، وإن عنينا وجود أحدهما فى شىء بعينه، منع وجود الآخر معاً، كما لو قلنا: زيد صحيح، منع أن يكون مريضاً. والمتضايفات: إما مطلقات، فيوجب وجود أحدهما الآخر، وإما فى شىء واحد، فلا يمنع أن يكون ما هو أب هو أيضا ابنا، وقد أشير إلى تلخيص هذا فيما سلف وما للمتضادين أن محلهما واحد يتعاقبان فيه ويتنازعانه؛ فربما كان ذلك الواحد معنى أعم من نوع واحد، كالسواد والبياض؛ فإن موضوعهما الجسم، من حيث هو جسم طبيعى عنصرى مركب، أى جسم عنصرى مركب كان مما يصلح لقبوله. وقد يصلح له أنواع وليس ذلك نوعاً واحداً، وربما كان من نوع واحد، مثل العدل والجور فإن موضوعهما ليس كل نفس ولا نفوس تقع فى أنواع كثيرة، بل نفس الإنسان. وربما كان الموضوع للضدين جنسا فيقتسمانه من غير تنازع، كالعدد للزوجية والفردية، والمتضادان ربما كانا فى جنس، كالبياض والسواد فى اللون، وربما كانا فى جنسين مختلفين، كالعفة والفجور اللذين أحدهما من جنس الفضيلة والآخر من جنس الرذيلة، وربما كانا بأنفسهما جنسين، كالخير والشر. ويشبه أن يكون المعنى فى قولهم، بإن الخير والشر جنسان، ليس أن الخير والشر من حيث هو مقول على الخير الجوهرى والخير الكمى والخير الكيفى وغير ذلك، فيقال قولا جنسياً، بل من حيث هو مقول على الملكات فيكون متواطئاً من هذا الوجه، ليس باشتراك الاسم. ثم قد سومح فى كونه ذاتيا لها أو عرضيا لازما لهذه الملكات، فإن الحق، أن الخيرية أو الشرية يلزمها ولا يقومها، فإن كان كذلك فيكون الخير والشر من باب الكيف. ويشبه أن يكون المراد غير ما ناقشنا فيه، بل يكون قد توسع فى هذا الباب توسعاً مطرداً على المشهور من أمر الخير والشر، فإن المشهور من أمرهما أنهما عامان للأشياء، فأحرى الحكم على ذلك، ولم يبال بما يعرض من ذلك، إذ ليس هذا الكتاب كتاب الاستقصاء.
وأما الاستقصاء فإنه يقضى، أن تكون الشجاعة مضاداً للجبن، قريب من كون الصارم مضاداً للدِّدان، وذلك إذا أخذ الصارم اسماً لسيف مع الحدة، والددان اسما لسيف مع الكلال، فيكون لا تضاد بينهما إلا لانطوائهما على متضادين، ثم يقال إن التضاد بينهما لأجل جنسين، هما الحاد والكليل، وكذلك الشجاغعة، كأنهما اسم الكيفية مع النسبة المذكورة، وكذلك الجبن، وكذلك الحمق؛ ولكنا لا نناقش فى هذه الأشياء فى مثل هذا الكتاب، وأما التحقيق فى هذه الأمور، فسيأتيك له موضع محصّل فى ذلك.
فينبغى لنا أن نشير قليلاً الى ما وقع عليه الاتفاق الخاص فى أمر التضاد وأمر العدم والصورة بعد المشهور، فلا يترك المتعلم متحيراً، فنقول: أن الأضداد الحقيقية هى الأمور التى تشترك فى موضوع واحد، وكل واحد منها معنى كالبياض والسواد، ليس كالسكون والحركة، ويكون الاثنان المتقابلان منها، لا يجتمعان معاً، بل يتعاقبان، وبينهما غاية الخلاف ليس كالفاتر والحار. وأما العدم والملكة، فالحقيقى من العدم، أن يكون الشىء معدوماً فى الموضوع القابل لوجوده بطباعه من حيث هو كذلك، سواء كان المعدوم ما سميته ههنا ملكة أو شيئاً آخر، وسواء عاد أو لم يعد، وسواء كان قبل الوقت أو بعده، أو فيه؛ ومنه ما هو أهم من ذلك، وهو عدم الشىء عما فى طبيعة من طبائع الموضوع أن يقارنه، شخصية كانت تلك الطبيعة أو نوعية كالخرس الأصلى، أو جنسية كالأنوثة، والخير والشر فى أكثر الأشياء يتضادان بالحقيقة تضاد العدم والملكة، فإن الشر عدم كمال ما من شأنه أن يكون للشىء إذل لم يكن. والسكون، والظلمة، والجهل، وما أشبه ذلك، كلها أعدام. والمرض أيضا من حيث هو مرض بالحقيقة عدم، لست أعنى من حيث هو مزاج أو ألم، والفردية أيضاً، هى حال الجنس مأخوذة مع سلب عارض قد يكون فيه، وذلك الجنس هو العدد، وقد ينقسم بمتساويين، وقد يعدم هذا المعنى فيه، فإذا اقترن به، أن لا ينقسم بمتساويين، كان من تلك الجهة فرداً، وكان منطويا على عدم ما، من شأنه أن يكون فى ذلك الجنس. ولنقتصر الآن على هذا المبلغ.