الفصل بين النفاة الجهمية والمثبتة الكرامية في اختلافهم في الجسم ..من كلام شيخ الاسلام

الفصل بين النفاة الجهمية والمثبتة الكرامية في اختلافهم في الجسم : 
قال شيخ الإسلام رحمه الله : 
"ولفظ الجسم في حق الله، وفي الأدلة الدالة عليه، لم يرد في كتاب الله، ولا سنة رسوله، ولا كلام أحد من السلف والأئمة. فما منهم أحد قال: إن الله جسم، أو جوهر، أو ليس بجسم ولا جوهر.
ولا قال: إنه لا يعرف إلا بطريقة الأجسام والأعراض، بل ولا استدل أحد منهم على معرفة الله بشيء من هذه الطرق : لا طريقة التركيب ولا طريقة الأعراض والحوادث، ولا طريقة الاختصاص. وإذا كان كذلك، فالمتنازعون في مسمى الجسم، متنازعون في أمر ليس من الدين : لا من أحكامه، ولا دلائله.....
بخلاف نزاعهم في إثبات "المعنى المراد بلفظ الجسم ونفيه ".فإن هذا يتعلق بالدين، فما كان من الدين فقد بينه الله في كتابه وسنة رسوله، بخلاف ما لم يكن كذلك.
- فإن قيل: فلا بد من فصل النزاع بين كل اثنين في الدين.
قيل: فصل النزاع قد يكون بوجهين: 
- أحدهما : نهي كل منهما عن منازعة الآخر بهذا، إذ هو نزاع فيما لا فائدة فيه....
- والثاني : أن يفصل النزاع ببيان الخطأ من الصواب.
... فإذا فصل النزاع بين المتنازعين في الجسم، قيل: النزاع على وجهين: لفظي، ومعنوي.
1 - فإن كنتم تتنازعون في مسمى الجسم في اللغة، فليس مسماه ما قلته أنت – المثبت - من أن كل قائم بنفسه أو مشار إليه يسمى جسماً، ولا ما قلته أنت – النافي - من أن الجسم في اللغة هو المركب من أجزاء، فإن " الهواء أو نحوه "  عنده مركب، والعرب لا تسميه جسماً، وهو مشار إليه قائم بنفسه، والعرب لا تسميه جسماً." فقول كل واحد منكما غير موافق للغة العرب " .
2- ....وإن كان نزاعكم في معنى " عقلي" ، وهو أن " العين " التي اتفقتم على تسميتها جسماً بحسب اصطلاحكم، وهي ما يشار إليه بقول أحدكما : إنها مركبة من أجزاء مفردة، أو المادة والصورة، والآخر ينكر ذلك - فهذا يمكن فصل النزاع بينكم، إذا كان النزاع معنوياً، بالأدلة العقلية تارة، وبغيرها أخرى.....فالمعنى الذي يرده النافي بلفظ الجسم يوافقه المثبت عليه.
- وإذا تنازعوا بعد هذا لم يكن نزاعهم إلا لفظياً.
-  وليس لإطلاق لفظ واحد منهما أصل في الشرع : لا هذا ولا هذا.
 فالشرع لم يسكت عن المعنى الذي يجب نفيه، الذي ينفيه النافي بلفظ الجسم، بل نفاه الشرع فلا يقال : إن الشرع سكت عما يحتاج إلى معرفته من معنى الجسم نفياً وإثباتاً.ثم إذا كان المعنى الذي يريده النافي يمكنه نفيه بالشرع وبالعقل، بدون إطلاقه لفظ متنازع في أحكام معناه، كان نفي ذلك المعنى بما ينفيه من الأدلة الشرعية والعقلية، التي لا يمكن النزاع فيها، هو المشروع، دون بقية معان متنازع فيها هي طويلة متعبة بلا نزاع، وقد تكون مع ذلك باطلة .. "ا.هـ

درء تعارض العقل 10/313 "