كلام الإيجي عن التقابل في كتابه المواقف

الحمد لله وحده..

قال الإيجي في كتابه المواقف:

"الْمَقْصد الْحَادِي عشرقَالَ الْحُكَمَاء المتقابلان أَمْرَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي زمَان وَاحِد لَا شكّ أَن الْمُتَبَادر من لفظ الِاجْتِمَاع مَا يُغني عَن قيد وحدة الزَّمَان إِلَّا أَنه قد يُقَال وَلَو على سَبِيل الْمجَاز اجْتمع هَذَانِ الوصفان فِي ذَات وَاحِدَة وَإِن كَانَا فِي وَقْتَيْنِ فَصرحَ بوحدته دفعا لتوهم التَّجَوُّز فِي الِاجْتِمَاع فِي ذَات وَاحِدَة لِأَن اجْتِمَاع المتقابلين فِي زمَان وَاحِد فِي ذاتين جَائِز من جِهَة وَاحِدَة هَذَا الْقَيْد الْأَخير أَعنِي وحدة الْجِهَة لإدخال المتضايفين كالأبوة والبنوة العارضين لزيد من جِهَتَيْنِ فإمَّا أَن لَا يكون أَحدهمَا أَي أحد المتقابلين سلبا للْآخر مِنْهُمَا أَو يكون وَالْأول من هذَيْن يَنْقَسِم إِلَى قسمَيْنِ لِأَنَّهُ إِن لم يعقل كل مِنْهُمَا إِلَّا بِالْقِيَاسِ إِلَى الآخر فهما المتضايفان وَسَيَأْتِي بَيَان أحوالهما فِي آخر الْموقف الثَّالِث وَإِلَّا فهما الضدان وعَلى هَذَا فتعريفهما أَنَّهُمَا متقابلان لَيْسَ أَحدهمَا سلبا للْآخر وَلَا يتَوَقَّف تعقل كل مِنْهُمَا على صَاحبه وهما بِهَذَا الْمَعْنى يسميان ضدين مشهورين وَقد يشْتَرط فِي الضدين أَن يكون بَينهمَا غَايَة الْخلاف والبعد كالسواد وَالْبَيَاض فَإِنَّهُمَا متخالفان متباعدان فِي الْغَايَة دون الْحمرَة والصفرة إِذْ لَيْسَ بَينهمَا وَلَا بَين أَحدهمَا وَبَين السوَاد وَالْبَيَاض ذَلِك الْخلاف والتباعد فيسميان بالمتعاندين والضدان بِهَذَا الْمَعْنى يسميان بالحقيقيين فَإِن اعْتبر فِي تَقْسِيم المتقابلين إِلَى الْأَقْسَام الْأَرْبَعَة التضاد المشهوري الشَّامِل للتعاند فَذَاك وَإِن اعْتبر الْحَقِيقِيّ وَجب جعل المتعاندين قسما خَامِسًا

قَالُوا أَي الْحُكَمَاء وَقد يلْزم أَحدهمَا أَي أحد المتضادين الْمحل إِمَّا بِعَيْنِه كالبياض اللَّازِم للثلج أَو لَا بِعَيْنِه كالحركة والسكون على تَقْدِير كَونه وجوديا للجسم فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْهُمَا مَعًا فأحدهما لَا بِعَيْنِه لَازم لَهُ وَقد يَخْلُو الْمحل عَنْهُمَا مَعًا فَلَا لُزُوم هُنَاكَ لأَحَدهمَا إصلا أما مَعَ اتصافه أَي الْمحل بوسط بَين المتضادين ويعبر عَنهُ أَي عَن ذَلِك الْوسط إِمَّا باسم وجودي كالمز الْمُتَوَسّط بَين الحلو والحامض وكالفاتر الْمُتَوَسّط بَين الحاد والبارد أَو بسلب الطَّرفَيْنِ كَمَا يُقَال لَا عَادل وَلَا جَائِر لمن اتّصف بِحَالَة متوسطة بَين الْعدْل والجور وَأما قَوْلهم الْفلك لَا ثقيل وَلَا خَفِيف فَلم يُرِيدُوا بسلب الطَّرفَيْنِ هُنَاكَ إِثْبَات حَالَة متوسطة بَين الثّقل والخفة أَو دونه أَي دون الاتصاف بوسط فيخلو الْمحل عَن الْوسط أَيْضا كالشفاف الْخَالِي عَن السوَاد وَالْبَيَاض وَعَن كل مَا يتوسطهما من الألوان وَأَيْضًا قد يُمكن تعاقبهما أَي تعاقب الضدين على الْمحل كالسواد وَالْبَيَاض بِحَيْثُ لَا يَخْلُو عَنْهُمَا مَعًا بل يعْدم أَحدهمَا عَنهُ وَيُوجد الآخر فِيهِ فِي آن وَاحِد كالسواد وَالْبَيَاض أَو لَا يُمكن تعاقبهما على الْمحل بِحَيْثُ لَا يَخْلُو عَنْهُمَا كالحركتين الصاعدة والهابطة فَإِنَّهُ لَا يجوز تعاقبهما على مَحل وَاحِد إِن قُلْنَا يجب أَن يكون بَينهمَا سُكُون كَمَا هُوَ الْمَشْهُور وَاعْلَم أَن التضاد لَا يكون إِلَّا بَين أَنْوَاع جنس وَاحِد أَي لَا تضَاد بَين الْأَجْنَاس أصلا وَلَا بَين أَنْوَاع لَيست مندرجة تَحت جنس وَاحِد إِنَّمَا التضاد بَين الْأَنْوَاع المندرجة تَحْتَهُ وَلَا يكون التضاد فِي هَذِه الْأَنْوَاع إِلَّا بَين الْأَنْوَاع الْأَخِيرَة المندرجة تَحت جنس وَاحِد قريب كالسواد وَالْبَيَاض المندرجين تَحت اللَّوْن الَّذِي هُوَ جنسهما الْقَرِيب وَمَا يتَوَهَّم بِخِلَاف ذَلِك نَحْو الْفَضِيلَة والرذيلة وَنَحْو الْخَيْر وَالشَّر فَمن الْعَدَم والملكة أَو التضاد فِيهِ بِالْعرضِ قد ظن بَعضهم أَن الْخَيْر وَالشَّر ضدان مَعَ كَونهمَا جِنْسَيْنِ لأنواع كَثِيرَة تحتهما فَلَا يَصح القَوْل بِأَن لَا تضَاد بَين الْأَجْنَاس وَهُوَ بَاطِل لِأَن الشَّرّ لَيْسَ لَهُ طبيعة وجودية وَبِتَقْدِير كَونه كَذَلِك فَلَيْسَ شَيْء من الشرية والخيرية ذاتيا لما تَحْتَهُ لِأَن الْخَيْرِيَّة عبارَة عَن كَون الشَّيْء ملائما والشرية عبارَة عَن كَونه منافرا وَقد تعقل الْأَشْيَاء الَّتِي يُطلق عَلَيْهَا الْخَيْر وَالشَّر مَعَ الذهول عَن كَونهَا خيرات أَو شرورا فليسا جِنْسَيْنِ لما تحتهما وَظن آخَرُونَ أَن الشجَاعَة مَعَ كَونهَا تَحت جنس الْفَضِيلَة مضادة للتهور المندرج تَحت جنس الرذيلة فَلَا يَصح القَوْل بِأَن لَا تضَاد بَين الْأَنْوَاع المندرجة تَحت أَجنَاس مُخْتَلفَة وَهُوَ أَيْضا مَرْدُود بِأَن كل وَاحِد من الشجَاعَة والتهور لَهُ حَقِيقَة قد عرض لَهَا صفة هِيَ كَونهَا فَضِيلَة أَو رذيلة وَلَا تضَاد بَين حقيقيتهما إِذْ لَيست إِحْدَاهمَا فِي غَايَة الْبعد عَن الْأُخْرَى إِنَّمَا التضاد بَين عارضيهما هَذَا مَا ذكر فِي الملخص فَإِن أردْت تطبيق مَا فِي الْكتاب عَلَيْهِ قلت إِن قَوْله نَحْو الْفَضِيلَة والرذيلة إِشَارَة إِلَى التَّوَهُّم الثَّانِي الَّذِي أَشَارَ إِلَى جَوَابه بقوله أَن أَو التضاد فِيهِ بِالْعرضِ وَإِن قَوْله وَنَحْو الْخَيْر وَالشَّر إِشَارَة إِلَى التَّوَهُّم الأول الَّذِي أَشَارَ إِلَى جَوَابه الأول من جوابي الملخص بقوله فَمن الْعَدَم والملكة وَلَك أَن تَقول أَرَادَ صَاحب الْكتاب أَن الْفَضِيلَة والرذيلة أَيْضا جِنْسَانِ بَينهمَا تضَاد كالخير وَالشَّر ثمَّ أَشَارَ إِلَى الْجَواب

أَولا بِأَن الْكل من قبيل الْعَدَم والملكة فَإِن الرذيلة عدم الْفَضِيلَة كَمَا أَن الشرية عدم الْخَيْرِيَّة

وَثَانِيا بِأَن التضاد فِي الْكل بِالْعرضِ أَي هَذِه الْأُمُور الْأَرْبَعَة أُمُور عارضة لَيْسَ شَيْء مِنْهَا جِنْسا لما تَحْتَهُ على قِيَاس مَا عرفت فكون الشَّيْء خيرا ضد لكَونه شرا كَمَا أَن كَونه فَضِيلَة ضد لكَونه رذيلة فَلم يثبت تضَاد

بَين الْأَجْنَاس بل بَين الْعَوَارِض الَّتِي يجوز أَن يكون كل متضادين مِنْهَا تَحت جنس وَاحِد وضد الْوَاحِد إِذْ كَانَ حَقِيقِيًّا لَا يكون إِلَّا وَاحِدًا فالشجاعة لَيْسَ لَهَا ضدان حقيقيان هما التهور والجبن بل لَا تضَاد حَقِيقِيًّا إِلَّا بَين الْأَطْرَاف كالتهور والجبن وكالفجور والخمود وكالجزيرة والبلادة كل ذَلِك الَّذِي ذَكرْنَاهُ من أَن الْأَجْنَاس لَا تضَاد فِيهَا وَكَذَا الْأَنْوَاع إِذْ لم تكن أنواعا أخيرة تَحت جنس وَاحِد قريب وَمن أَن ضد الْوَاحِد الْحَقِيقِيّ لَا يكون إِلَّا وَاحِدًا ثَبت بالاستقراء وتتبع أَحْوَال الموجودات دون الْبُرْهَان الْقطعِي والضدان عِنْدهم أخص مِمَّا عِنْد الْمُتَكَلِّمين لِأَن المتضايفين على تَقْدِير وجودهما داخلان فِي الضدين على مُقْتَضى تعريفهم دون تَعْرِيف الْحُكَمَاء قيل وَكَذَا الْحَال فِي المتماثلين

وَالثَّانِي وَهُوَ أَن يكون أحد المتقابلين سلبا للْآخر يَنْقَسِم أَيْضا إِلَى قسمَيْنِ لِأَنَّهُ إِن اعْتبر فِيهِ نسبتهما إِلَى قَابل لِلْأَمْرِ الوجودي فَعدم وملكة فَإِن اعْتبر قبُوله لَهُ أَي قبُول ذَلِك الْقَابِل لِلْأَمْرِ الوجودي فِي ذَلِك الْوَقْت كالكوسج فَإِنَّهُ يَعْنِي كَونه كوسجا عدم اللِّحْيَة عَمَّن من شَأْنه فِي ذَلِك الْوَقْت أَن يكون ملتحيا لَا للأمرد أَي يُقَال الكوسج لمن ذكر لَا للأمرد الَّذِي لَيْسَ من شَأْنه اللِّحْيَة فِي ذَلِك الْوَقْت فَهُوَ الْعَدَم والملكة المشهوريان وَإِن اعْتبر قبُوله لَهُ أَعم من ذَلِك بل بِحَسب نَوعه كالعمى للأكمه وَعدم اللِّحْيَة للْمَرْأَة أَو جنسه الْقَرِيب أَو الْبعيد

فَالْأول كالعمى للعقرب فَإِن الْبَصَر من شَأْن جِنْسهَا الْقَرِيب أَعنِي الْحَيَوَان

وَالثَّانِي كالسكون الْمُقَابل للحركة الإرادية للجبل فَإِن جنسه الْبعيد أَعنِي الْجِسْم الَّذِي هُوَ فَوق الجماد قَابل للحركة الإرادية لَا كَعَدم الْقيام بِالْغَيْر للمفارق إِذْ لَيْسَ من شَأْن المفارق الْقيام بِالْغَيْر وَلَا من شَأْن نَوعه أَو جنسه مُطلقًا إِذْ لم يَجْعَل الْجَوْهَر جِنْسا لَهُ فَهُوَ الْعَدَم والملكة الحقيقيان فالحقيقي من الْعَدَم والملكة أَعم من المشهوري مِنْهُمَا على عكس الْحَقِيقِيّ والمشهوري فِي المتضادين وَإِن لم يعْتَبر ذَلِك الَّذِي ذَكرْنَاهُ من نِسْبَة

المتقابلين إِلَى قَابل لِلْأَمْرِ الْوُجُود فسلب وَإِيجَاب نَحْو الْإِنْسَان وَالْإِنْسَان ثمَّ إِن هَهُنَا مبَاحث

الأول قَالَت الْحُكَمَاء كل اثْنَيْنِ إِن اشْتَركَا فِي تَمام الْمَاهِيّة فهما المثلان وَإِن لم يشتركا فِيهِ فهما المتخالفان وقسموا المتخالفين إِلَى المتقابلين وَغَيرهمَا وَعرفُوا المتقابلين بِمَا مر وَاعْتبر بَعضهم فِي تعريفهما الْمَوْضُوع بدل الذَّات وَأَرَادُوا بِهِ المستغني عَمَّا يحل فِيهِ وَلذَلِك صَرَّحُوا بِأَن لَا تضَاد فِي الْجَوَاهِر إِذْ لَا مَوْضُوع لَهَا وَاعْتبر آخَرُونَ الْمحل مُطلقًا وَلذَلِك أثبتوا التضاد بَين الصُّور النوعية للعناصر وَيظْهر من ذَلِك أَن المُرَاد بامتناع اجْتِمَاعهمَا فِي ذَات وَاحِدَة امْتنَاع اجْتِمَاعهمَا بِحَسب الْحُلُول فِيهِ لَا بِحَسب الصدْق وَالْحمل عَلَيْهِ فَإِن امْتنَاع الِاجْتِمَاع من حَيْثُ الصدْق قد يُسمى تباينا فَلَا يدْخل نَحْو الْإِنْسَان وَالْفرس فِي تَعْرِيف المتقابلين بِخِلَاف مفهومي الْبيَاض واللا بَيَاض فَإِنَّهُ يمْتَنع اجْتِمَاعهمَا بِاعْتِبَار الْحُلُول فِي مَحل وَاحِد على قِيَاس الْبَصَر والعمى

الثَّانِي الْمَشْهُور فِي تَقْسِيم المتقابلين أَنَّهُمَا إِمَّا وجوديان أَو لَا وعَلى الأول إِمَّا أَن يكون تعقل كل مِنْهُمَا بِالْقِيَاسِ إِلَى الآخر فهما المتضايفان أَو لَا فهما المتضادان وعَلى الثَّانِي يكون أَحدهمَا وجوديا وَالْآخر عدميا فإمَّا أَن يعْتَبر فِي العدمي مَحل قَابل للوجودي فهما الْعَدَم والملكة أَو لَا فهما السَّلب والإيجاب وَاعْترض عَلَيْهِ أَولا بِجَوَاز كَونهمَا عدميين كالعمى واللاعمى وَأجِيب بِأَن الْعَدَم الْمُطلق لَا يُقَابل نَفسه وَلَا الْعَدَم الْمُضَاف لاجتماعه مَعَه والعدم الْمُضَاف لَا يُقَابل الْعَدَم الْمُضَاف لاجتماعهما فِي كل مَوْجُود مُغَاير لما أضيف إِلَيْهِ العدمان وَأما الْعَدَم فَهُوَ انْتِفَاء الْبَصَر عَمَّا هُوَ قَابل لَهُ فَإِن أُرِيد باللاعمى سلب انْتِفَاء الْبَصَر فَهُوَ

الْبَصَر بِعَيْنِه والتقابل بِحَالهِ وَإِن أُرِيد سلب القابلية فالتقابل بَينهمَا بِالْإِيجَابِ وَالسَّلب ورد ذَلِك بِأَن مَفْهُوم اللاعمى أَعم من كل وَاحِد من سلب الانتفاء وسلب القابلية وَهَذَا الْمَفْهُوم الْأَعَمّ مُقَابل لمَفْهُوم الْعَمى فِي نَفسه فقد ثَبت التقابل بَين العدمين

وَثَانِيا بِأَن عدم اللَّازِم يُقَابل وجود الْمَلْزُوم وَلَيْسَ دَاخِلا فِي الْعَدَم والملكة وَلَا فِي السَّلب والإيجاب إِذْ الْمُعْتَبر فيهمَا أَن يكون العدمي مِنْهَا عدما للوجودي وَأجِيب بِأَن المتقابلين مقيسان إِلَى مَحل وَاحِد وَلَا شكّ أَن عدم اللَّازِم وَوُجُود الْمَلْزُوم متخالفان فِي الْمحل فَلَا تقَابل بَينهَا ورد بِأَن الْكَلَام فِي وجود الْمَلْزُوم لمحل وَانْتِفَاء اللَّازِم عَن ذَلِك الْمحل كوجود الْحَرَكَة للجسم مَعَ انْتِفَاء السخونة اللَّازِمَة لَهَا عَنهُ وَعدل المُصَنّف عَن الْمَشْهُور إِلَى قَوْله إِمَّا أَن لَا يكون أَحدهمَا سلبا للْآخر أَو يكون تَنْبِيها على أَن المُرَاد بالوجودي هَهُنَا مَا لَا يكون السَّلب جُزْء مَفْهُومه فَدخل مثل الْعَمى واللاعمى فِي الْقسم الثَّانِي أَعنِي أَن يكون أحد المتقابلين سلبا للْآخر وَوَجَب أَن يكون من قبيل السَّلب والإيجاب لِأَن مَفْهُوم اللاعمى على الْوَجْه الْأَعَمّ لم يعْتَبر فِيهِ قابلية الْمحل وَأما عدم اللَّازِم مَعَ وجود الْمَلْزُوم فقد دخل فِي قسم المتضادين مَعَ تصريحهم بِأَن الضدين لَا بُد أَن يَكُونَا وجودين

الثَّالِث المتقابلان تقَابل التضاد كالسواد وَالْبَيَاض يتقابلان بِاعْتِبَار وجودهما فِي الْخَارِج مقيسا إِلَى مَحل وَاحِد فِي زمَان وَاحِد فَإِذا وجد فِيهِ أَحدهمَا امْتنع بِهِ وجود الآخر فالمتضادان الْمَذْكُورَان أَمْرَانِ موجودان فِي الْخَارِج وَكَذَلِكَ المتقابلان تقَابل التضايف كالأبوة والبنوة يتقابلان بِاعْتِبَار وجودهما فِي الْخَارِج فِي مَحل وَاحِد فِي زمَان وَاحِد من جِهَة وَاحِدَة على مَذْهَب من قَالَ بِوُجُود الإضافات فِي الْخَارِج وَأما على مَذْهَب من قَالَ

بعدمها مُطلقًا فالتقابل بَينهمَا بِاعْتِبَار اتصاف الْمحل بهما فِي الْخَارِج والمتقابلان تقَابل الْعَدَم والملكة يكون أَحدهمَا أَعنِي الملكة كالبصر مَوْجُودا خارجيا فَهُوَ بِحَسب هَذَا الْوُجُود فِي الْمحل يُقَابل الْعَمى بِحَسب اتصاف الْمحل بِهِ وَأما الْإِيجَاب وَالسَّلب فهما أَمْرَانِ عقليان واردان على النِّسْبَة الَّتِي هِيَ عقلية أَيْضا فَلَا وجود للمتقابلين هَهُنَا فِي الْخَارِج أصلا لِأَن ثُبُوت النِّسْبَة وانتفاءها ليسَا من الموجودات الخارجية بل من الْأُمُور الذهنية فَإِذا حصلا فِي الْعقل كَانَ كل مِنْهُمَا عقدا أَي اعتقادا فالمتقابلان هَهُنَا يوجدان فِي الذِّهْن وَهُوَ وجود حَقِيقِيّ لَهما أَو فِي القَوْل إِذْ عبر عَنْهُمَا بِعِبَارَة وَهُوَ وجود مجازي وَهَذَا معنى مَا قيل من أَن تقَابل الْإِيجَاب وَالسَّلب رَاجع إِلَى القَوْل وَالْعقد

الرَّابِع إِذا اعْتبر مَفْهُوم الْفرس فَإِن اعْتبر مَعَه صدقه على شَيْء فَيكون اللافرس سلبا لذَلِك الصدْق وَحِينَئِذٍ إِمَّا أَن تكون النِّسْبَة بِالصّدقِ خبرية فهما فِي الْمَعْنى قضيتان بِالْفِعْلِ أَو تقييدية فَلَا تقَابل بَينهمَا إِلَّا بِاعْتِبَار وُقُوع تِلْكَ النِّسْبَة إِيجَابا وَلَا وُقُوعهَا سلبا فيرجعان بِالْقُوَّةِ إِلَى قضيتين وَإِذا اعْتبر مَفْهُوم الْفرس وَلم يُلَاحظ مَعَه نِسْبَة بِالصّدقِ على شَيْء يكون مَفْهُوم اللافرس حِينَئِذٍ هُوَ مَفْهُوم كلمة لَا مُقَيّدا بِمَفْهُوم الْفرس وَلَا سلب فِي الْحَقِيقَة هَهُنَا إِذْ لَا يتَصَوَّر وُرُود سلب أَو إِيجَاب إِلَّا على نِسْبَة لِأَنَّك إِذا اعْتبرت مفهوما وَاحِدًا وَلم تعْتَبر مَعَه نِسْبَة إِلَى مَفْهُوم آخر وَلَا نِسْبَة مَفْهُوم آخر إِلَيْهِ لم يكن لَك إِدْرَاك وُقُوع أَو لَا وُقُوع مُتَعَلق بذلك الْمَفْهُوم الْوَاحِد كَمَا تشهد بِهِ البديهة فمفهوما الْفرس واللافرس المأخوذان على هَذَا الْوَجْه متباعدان فِي أَنفسهمَا غَايَة التباعد ومتدافعان فِي الصدْق على ذَات وَاحِدَة فهما متقابلان بِهَذَا الِاعْتِبَار فَإِن قلت قد مر أَن الْمُعْتَبر فِي المتقابلين هُوَ الْمحل أَو الْمَوْضُوع وَلَيْسَ لمفهومي الْفرس واللافرس حُلُول فِي مَحل فَلَا يتقابل بَينهمَا قلت ينْقل الْكَلَام إِلَى مفهومي الْبيَاض واللابياض المأخوذين على الْوَجْه الْأَخير فبينهما تقَابل خَارج عَن هَذِه الْأَقْسَام الْأَرْبَعَة كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فَمن زعم أَن بَين تقَابل الْإِيجَاب وَالسَّلب مُطلقًا فقد سَهَا إِلَّا أَن يَبْنِي على الشّبَه وَالنَّظَر إِلَى الظَّاهِر

خَاتِمَة للمقصد الْحَادِي عشر

التقابل بِالذَّاتِ إِنَّمَا هُوَ بَين السَّلب والإيجاب لِأَن امْتنَاع الِاجْتِمَاع بَينهمَا إِنَّمَا هُوَ بِالنّظرِ إِلَى ذاتيهما وَغَيرهمَا من الْأَقْسَام إِنَّمَا يثبت فِيهَا التقابل لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا مُسْتَلْزم لسلب الآخر ولولاه أَي لَوْلَا استلزام كل مِنْهُمَا لسلب الآخر لم يتقابلا فَإِن معنى التقابل ذَلِك أَي استلزام كل مِنْهُمَا سلب الآخر فلولا أَن كل وَاحِد من السوَاد وَالْبَيَاض يسْتَلْزم عدم الآخر لم يتقابلا أصلا فالتنافي بَين السَّلب واالإيجاب بِالذَّاتِ وَفِي سَائِر الْأَقْسَام بتوسطهما وَلَا شكّ أَن التَّنَافِي فِي الذَّات أقوى وَأَيْضًا فالخير فِيهِ أَنه لَيْسَ بشر وَهُوَ أَي نفي الشَّرّ عَن الْخَيْر أَمر عَارض لَهُ خَارج عَن مَاهِيَّة الْخَيْرِيَّة وَفِيه أَنه خير وَهُوَ ذاتي للخير لَيْسَ بِخَارِج عَن ماهيته وَكَونه شرا يَنْفِي عَنهُ كَونه عارضا لَهُ وَهُوَ نفي الشرية وَكَونه لَيْسَ خيرا يَنْفِي عَنهُ الذاتي الَّذِي هُوَ الْخَيْرِيَّة والنافي للذات أقوى فِي النَّفْي وَامْتِنَاع الِاجْتِمَاع من النَّافِي للعرضي فَهُوَ أَي تقَابل السَّلب والإيجاب أقوى التقابلات وَقيل بل الْأَقْوَى هُوَ التضاد إِذْ فيهمَا أَي فِي المتضادين مَعَ السَّلب الضمني أَمر آخر زَائِد وَهُوَ غَايَة الْخلاف الْمُعْتَبرَة فِي التضاد الْحَقِيقِيّ.."