الكمال في إثبات الصفات والرد على الأشاعرة والماتريدية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد ...
 كل مسلم يقطع بأن الله سبحانه وتعالى موصوف بصفات الكمال والجلال التي أثبتها لنفسه سبحانه في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ، وهذه الصفات إما أنها نعوت كمال محضة للذات أو أوصاف تقوم به سبحانه تابعة لأفعاله التي يقوم بها في ملكه ..
فأصل الصفات التي يوصف بها سبحانه يرجع إلى أمرين:
الأول" نعوت وأوصاف محضه هي من لوازم الذات كالحياة والعلم والقدرة والإرادة والفعل واليد والوجه والعين وغيرها مما جاءت به النصوص ودل عليه العقل ..
فهذه صفات أزلية لازمة للذات لا تنفك عنه.
الثاني : أوصاف أفعاله القائمة به سبحانه كالخلق  والاستواء وغيرها فهذه صفات مستفادة من الفعل الذي يقوم بالفاعل كما يقال ضرب فهو ضارب وأكل فهو آكل وعدل فهو عادل وشرب فهو شارب وهكذا فوصف الفاعل بأنه عادل وآكل وشارب وضارب مستفاد من قيامه بهذه الأفعال .
والكمال إنما يكون في وصفه سبحانه بهذه الأوصاف الوجودية التي وصف بها  نفسه، سواء كانت صفات محضة ونعوت لازمة، أو كانت من صفات أفعاله سبحانه المتعلقة بإرادته ومشيئته ..
وهذا الأمر الضروري هو ما عليه أهل السنة والجماعة وخالفهم في ذلك طوائف من المتكلمين على رأسهم الأشاعرة والماتريدية ،فقالوا الفعل  الذي يفعله الرب لا يقوم به، بل الرب سبحانه لا يفعل شيئًا أصلاً، إنما يخلق ويرزق ويحيي ويميت بقدرته القديمة من غير فعل منه سبحانه، فلا توسط  بين القدرة والمفعول المنفصل عن الله سبحانه ...
وذهبت الماتريدية إلى أنه لا بد من وصفه بصفة أخرى غير القدرة يكون بها الفعل ويتكون بها المفعول ،فوصفوه سبحانه بصفة التكوين وجعلوها أيضًا قديمة  كالقدرة...!!
وهؤلاء التزموا أصولاً مبتدعة تتعارض مع وصفه سبحانه بالفعل وقيام موجب هذه الأفعال من الصفات به سبحانه ، حيث قالوا: إن الله سبحانه وتعالى لا تقوم به الحوادث، والحادث هو مالم يكن ثم كان، وهذه الأفعال يفعلها الرب سبحانه بإرادته وهي حادثة، والرب لا يوصف إلا بالصفات القديمة، فلا تقوم به صفات حادثة لم تكن من قبل، فنفوا أن تقوم به أفعاله بل نفوا أن يفعل بإرادته أي شيء، فجعلوه كالعاجز وادعوا في ذلك الكمال!
وهولاء نفوا أن يريد شيئًا بإرادة متجددة أو حادثة، وأن يفعل فعلاً حادثًا يقوم به، وأن يتكلم بكلام حادث بإرادته. فقالوا الإرادة واحدة قديمة يتعلق بها كل الممكنات (المخلوقات) فهي إرادة واحدة بكل شيء من الأزل إلى الأبد فجعلوها كأوامر الكمبيوتر المخزنة! 
وقالوا إنه سبحانه يفعل بقدرته الواحدة القديمة جميع المقدورات من غير توسط فعل يقوم به .فجعلوا صلوحية القدرة قدرة بالفعل!
وقالوا كلامه سبحانه معنى واحد قائم في نفسه وحقيقته منقسمة إلى خبر واستخبار وأمر ونهي ولا يجوز عليه أن يتكلم بكلام حادث بإرادته، فالقرآن والانجيل والتوراة عي عبارة عن كلام الله الله النفسي ودليل عليه، فقالوا بخلق القرآن، وخالفوا جميع النصوص الشرعية في مقابل التزامم بأصولهم الكلامية، وضربوا بها عرض الحائض ،وبعضهم خاض فيها تاويلًا وتفويضًا وتحريفًا ،مع صراحتها بأنه سبحانه فعال لما يريد ويفعل ما يشاء ويخلق ما يشاء ويختار وأنه يتكلم بكلام بعد كلام، وأنه ينادي على عبادة ويناجي بعض خلقه ..
قال سبحانه: (فمن يملك من الله شيئا إن أراد ان يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الارض جميعا)
وقال جل وعلا: (وأذا أراد الله بقوم سوءًا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال) ،وقال: (وكان أبوهما صالحًا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك)،وقال: (قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة) ، وقال جل وعلا: ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون )، وقال سبحانه: (وربك يخلق ما يشاء ويختار)، وقال جل وعلا : (وهو على جمعهم إذا يشاء قدير)، ..

فهذه الآيات وغيرها صريحة في أن الله سبحانه لم يزل ولا يزال يريد ويفعل ويتكلم بما شاء، وأنه إذا أراد شيئًا فإنه يقول له كن فيكون، فأثبت لنفسه الكلام والإرادة والفعل الحادث المتجدد لا المخلوق، حيث قال سبحانه : (لو أراد الله أن يتخذ ولدًا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار)  وقال: (كذلك الله يخلق ما يشاء)، وقال: (لكن الله يفعل ما يريد) وقال جل وعلا : (أفلم ييأس الذين أمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا)،وقال: ( يثبت الله الذين أمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ) وهؤلاء يقولون إن تجدد إرادة  عنده سبحانه ممتنع.

فتعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.

والله أعلم