مع الملحد سراج حياني

مع الملحد سراج حياني.
سراج حياني يقول أنه كان مسلمًا من أسرة سلفية متدينة من سوريا وأنه قد انتابته الشكوك في وقت مبكر السادسة عشرة من عمره ثم إنه قد بحث عن جواب لها فلم يجد، فتمكنت منه الشكوك وتوصل لقناعة أنه لا إله والحياة مادة وأن الأديان من صنع البشر فكفر بها جميعًا واستقر على الإلحاد .
لكنه لم ينطوي على نفسه ويقنع بإلحادة وينتظر مصيره المحتوم بتعطل فزياء جسدة كما يعتقد الملحدون، بل أخد في نشر إلحاده والدعوة إليه عن طريق تشكيك المسلمين في دينهم وبث الشبهات بينهم بحجة حرية التعبير عن الرأي وتبادل وجهات النظر!

ومن هذه السموم التي يبثها فيديو بعنوان "مشكلتي مع القرآن"، بدأه بمغالطات وتدليس وسوء فهم لمقتضى الآيات، ثم ذكر بعض الشبهات يزعم أنها تناقضات ثم ختم كلامه بفصل عن "ركاكة" القرآن كما يزعم، يحكم بنفسه على بعض الآيات بأنه ركيكة المعنى وأن العرب لا تعرف هذه التراكيب، فشهد على نفسه بالجهل الفاضح أو التدليس والكذب الواضح كما سنبين إن شاء الله.
- ونحن إذ نكتب ونعلق على هذا الفيديو أو غيره، فإننا نكتب لمن يريد الحق ويبحث عنه وينصف في تناوله .. ونبين أن ما يعرضه الاستاذ سراج من اعتراضات ليست صحيحة وأنها شبهة تلتبس على مثله من المسلمين .. شبه عادية لو استعان بالله وطلب الجواب عنها وصدق في طلبها لوفق، لكن شكه تمكن منه وترك نفسه لنفسه بل فتح عليها أبوابًا من الشك متتالية .. ففي مرحلة الشك اتصل بالشكاكين أمثاله وأراد الجواب عندهم فزادوه حيرة وشكًا واضطرابًا، ولو أنه فعل ما نصحه به الشرع فاستعاذ بالله من هذه الوساوس أو طلب جواب هذه الشبهات عند أهلها لأراح واستراح، لكنها الفتنة تعصف بمن يتعرض لها، فنسال الله الثبات على دينه والوقاية من الشبهات والشهوات، كما أساله أن يهدينا والأستاذ سراج إلى الحق ويرده إليه ردًا جميلا ..

- بدأ سراج بقوله إن مليار ونصف المليار يصدقون بأن القرآن كلام الله وهذا العدد الكبير لا يدل على صدق ذلك ودلل على قوله بأن النصارى 2 مليار والهندوس أكثر وكل يعتقد أنه على الحق والمسلمون يشهدون أن كثرة العدد لا تدل على صحة دينهم.
وأقول له: ومن قال أن المسلمين يحتجون بكثرة العدد على صحة دينهم أو أن القرآن كلام الله؟
هذا الكلام في هذا السياق لا محل له.
بل القرآن ذاته قد قرر في ثنايا آياته أن أكثر الناس ليسوا على الحق، وأن الكثرة لا تدل على صحة المعتقد، فقال: "وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله" .. وقال "وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين" .. وقال "وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون"، فمن أين لك أننا نحتج على صدق رسالة نبينا أو صحة معتقدنا أو أن القرآن كلام الله بكثرة عددنا ؟
ما ذكرته في هذه النقطة لا محل له .. ربما يذكر كثرة العدد في سياق آخر لكن أن يحتج بمجرده على صحة الدين فهذا غير صحيح.
وما ذكره القرآن جاء في السنة وكلام السلف الصالح وأهل العلم على مر التاريخ يقررون أن "الحق لا يعرف بالرجال ولكن الرجال هم الذين يعرفون بالحق"، ولو كنت سلفيا كما تقول لعرفت أن هذا مقرر في ديننا ..فبدايتك ومقدمة كلامك للأسف غير موفقة.

ثم ذكر اعتراضًا على نفسه يعلم أنه وارد عليه وهو  أن هذه الملاحظات التي يذكرها وهذه التناقضات التي يوردها قد فاتت على أهل البلاغة والفصاحة والبيان بل فاتت على العرب أنفسهم الذين هم أهل اللغة والبيان!

ثم أجاب على هذا بأن هذا الاعتراض خاطئ أذ يجب مع ذلك أن نسمع هذه الاعتراضات ونجيب عنها.

وهذا الجواب قاصر إذ أننا نقول:

لو كان مقتضى إيراد أهل البلاغة والفصاحة هذه الاعتراضات قائمًا، لما كان لهم أن يدعوها إذا وجدوها، فكيف إذا كان التحدي والتعجيزمع العداوة قائمًا بينهم وبين هذا القرآن؟ أتراهم يتركون شاردة ولا واردة يمكنهم الطعن بها في القرآن ولا يرفعوها، ويشيعوها؟

 هذا الإيراد من أقوى الدلائل على بطلان جميع ما يوده أعاجم العرب بما يختص بلغة القرآن وتراكيبه وبلاغته؟

فقد كان العرب الأوائل من المشركين أحوج ما يكونوا إلى الطعن في القرآن وأحوج ما يكونوا لمثل هذه الاعتراضات، لكنهم يفهمون لغة القرآن ويقرون ببلاغته وجزالة أسلوبه وتراكيبه، وليس أدل من تحد القرآن لهم في غير ما موضع بأن يأتوا بمثله أو بسورة من سوره وجزمه أنهم لن يأتوا "فإن لم تفعلوا "ولن تفعلوا" فاتقوا النار التي وقودها الناسو الحجارة أعدت للكافرين" وقد كان لهم أن يأتوا بأي شيء ليكذبوا على الأقله جزمه بأنهم لن يفعلوا لكنهم لم يفعلوا فكان آية على صدقه وأنه من عند الله.

فهذا الإيراد وارد بقوة على هؤلاء الملحدين.

أما قوله بأن آيات القرآن كانت مادة للضحك والاستهزاء بين المشركين فسياق الآيات يدل على أنهم معاندون جاحدون للحق وهم في قرارة أنفسهم يعلمون أنه الحق فقال تعالى: وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا" وقال " فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون" أما ما حكاه الحق تبارك وتعالى من استهزائهم فقد كان لما يخبرهم به من أحوال الآخرة وما أعد لهم من العذاب، لا بمادة القرآن وتراكيبه وبلاغته .. فما ذكره الملحد غير صحيح؛ وما أورده من أن المشركين ضحكوا وسخروا لما أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن شجرة الزقوم تخرج في أصل الجحيم، فهم يسخرون من الخبر بذلك، ولذا قالوا يزعم أن النار تأكل الحجر ثم إنه ينبت فيها الشجر -على فرض صحة ذلك-، فالاستهزاء والضحك كان بالخبر لا بمادة القرآن وتراكيبه كما يزعم الملحد سراج.

ثم بدأ الملحد بوضع فصل يزعم أنه تناقضات وليس فيه أية تناقض؛ وإنما التناقض والقصور في تصوره وعقله وسوء فقهمه، وأبدأ بما بدأ به الملحد من قوله تعالى:
"قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَىٰ "
يدعو موسى ربه بأن يشرح صدره وييسر أمره وأن يحلل عقدة من لسانه وكانت لديه لثغة تحبسه عن أن ينطلق في الكلام،كما طلب أن يرسل معه أخاه هارون يكون له رديف دعوته ينصره ويؤازره فهو افصخ منه لسانا كما آيات أخر..فرد عليه الحق تبارك وتعالى "قد أوتيت سؤلك يا موسى" فاستجاب دعاءه وأرسله إلى فرعون ..
لكن فرعون أبى واستكبر وهزء من موسى وقال مستخفًا بقومه "أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ".
وقوله "ولا يكاد يبين" إنما قاله فرعون باعتبار ما كان يعلمه من حال موسى قبل ذلك، من لثغة كانت في لسانه، لا أن موسى كان كذلك وقت دعوة فرعون وبعد استجابة الله لدعوة موسى بأن يحل عقدة لسانه.. 
ففرعون يعير موسى بأمر كان يعلمه الناس عنه قبل أن يصرفه الله عنه، كما عيره بأنه مهين أي فقير لا مال له، وهذا وذاك لا يعيبه أصلاً، ولم تكن معجزة موسى في الفصاحة والبلاغة كما في رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، بل كانت في إبطال السحر وكشف الضر وغير ذلك مما ناسب أهل عصره، مما يدل على قدرة الله وعظمته وأن مرسل من عنده سبحانه.
وقد كان من حال فرعون من المكابرة والاستخفاف والكذب ما يعضد هذا التوجيه من ادعائه الربوبية لتملكه مصر والأنهار التي تجري من تحته واستخفافه قومه وطاعتهم له فهذا لا يستبعد أن يكذب بل ويجتهد في الكذب والافتراء لصرف الناس عن موسى ودعوته..
فهذا الوجه يبطل ما ذكره المعترض من أن الله لم يحلل عقدة موسى رغم قوله "قد أوتيت سؤلك يا موسى" فلا تعارض حينئذ ولا تناقض.

-الشبهة الثانية التي يزعم الملحد فيها تناقضًا هي قوله تعالى: "سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ".
يحكي الله سبحانه قول المشركين "لو شاء الله ما أشركنا ولا أباؤنا" فاحتجوا بمشيئة الله وقدرته على منعهم عن الاشراك به وتحريم ما حرموا على أنفسهم على أمر زائد وهو تصحيح فعلهم ورضاه عن شركهم، وتحريمهم، والمعنى أنه بما أن الله قادر على منعنا عن ذلك، ومع ذلك تركنا نفعله ومكننا منه، فهذا الفعل صحيح والله راض عنه محب له ..
فبين الحق جل وعلا أن هذه حجة من سبقهم من المكذبين للرسل، والذين أهلكهم وسامهم سوء العذاب وسلط عليهم رسله، وإلا لو كان راضيًا عنهم وعن فعالهم فلم أهلكم؟ فذمهم على تخرصهم واحتجاجهم بالمشيئة في تصحيح فعالهم وقال "إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ".

ثم جاء الحق تبارك وتعالى في آيات أخرى ليقرر أنه لو شاء الله ما أشركوا، بمعنى أنه قادر على منعهم من الشرك وتعجيزهم عن أن يعصوه كما فعل بالملائكة فجعل من طباعهم أنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.

وتصور مديرًا أو صاحب شركة يراقب موظفًا لديه عبر الكاميرات وهو يختلس مالا من خزينة الشركة، فيتركه ليعاقبه فيما بعد خصمًا أو طردا أو غير ذلك من وجوه العقاب، أو ربما يسامحه ..ثم يرسل إليه من ينبهه ويبين له عاقبة فعله الشنيع وأن المدير يراقبك ويعلم عن سرقتك .. فيحتج الموظف على الرسول بأنه لو لم يشأ صاحب الشركة أن آخذ هذا المال لما تركني آخذه، بل زيادة على ذلك هو راض بهذه السرقة .. فيذهب الرسول لصاحب الشركة فيخبره بما قال المختلس فيكذبه في دعواه .. ثم يقول صاحب الشركة لو شئت لمنعته وأغلقت عليه الأبواب الاؤتماتيكية لكن تركته لعله يراجع نفسه فينتهي عن فعله أو لأغفر له وأسامحه إذا نبهته فرجع أو أعاقبه بالخصم والطرد ..
فهل في هذا السياق تناقض كما يدعي الملحد في آيات الله؟
لا شك أن أقل ما يقال في هذا أنها سطحية شديدة في تناول آيات الله، فلا تنافي بين ذلك وبين قول المشركين الذين استدلوا بعدم منعهم على الرضى وإرادة الفعل، فهم تخرصوا أمرًا زائدا على المشيئة فذمهم الله على ذلك.

- الشبه الثالثة التي يدعي فيها الملحد التناقض في قوله " إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ".
يقول: إن قوله تعالى :"إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله" مخالف للواقع ومخالف للأحداث التي كانت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فكثير من الذين كانوا لا يؤمنون هداهم الله وأسلموا..
وهذا لا شك جهل عظيم بكلام الله ومدلوله، والمقصود هنا لو نظرنا في سياق الآية هو صنف معين من الذين لا يؤمنون، وهم المعاندون للحق الذين عرفوا الحق وجحدوه وامتنعوا عن اتباعه، ولم يكن كفرهم عن عدم علم أو تصديق، وإنما كان عن جحود واستكبار ..لذا ذكر الله سبحانه أنهم يفترون على الله الكذب، فقال "إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله" وكذَّبهم في افترائهم، ثم ذكر منهم"من كفر بالله من بعد إيمانه" وتيقنه بالحق وأن سبب كفرهم ليس تكذيبهم في الباطن إنما استحبابهم للحياة الدنيا، فقال" ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة" فهؤلاء يقال فيهم "فإن الله لا يهدي القوم الكافرين" و"إن الذينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ" .. لأنهم علموا بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم وأعرضوا عن اتباعه لحرصهم على مكانتهم وحفاظهم على تقاليد آبائهم..
فليست الآية بهذا التستطيح الذي يذكره، ولهذا المعنى نظائر في آيات أخر، كقوله تعالى "إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا..فهؤلاء عرفوا الحق في أنفسهم وقامت عليهم الحجة فمنهم أعرض واستكبر، ومنهم آمن ثم كفر، فأولئك الذين لا يهديهم الله فلا يوفقهم لطريق الهداية، فليس هؤلاء كمن يريد الحق ويطلبه ويبحث عنه ويخلص في طلبه كما قال سبحانه "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ" وقال "وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا" فهذا الصنف غير المقصودين في الآية فليس فيها مخالفة للواقع بل فيها جهل وتعسف من هذا المعترض بمدلول الآيات.

- أما كلام الملحد عن إخبار الله سبحانه عن الكافرين بأنهم يحشرون على وجوههم عميًا وبكمًا وصمًا وذلك في قوله تعالى :"وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا ۖ "وأنه مع ذلك يقول لهم يوم القيامة "اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا" وأن ذلك بزعمه إشكال وتناقض إذ كيف يقرأ وهو أبكم أعمى وكيف يسمع الخطاب وهو أصم؟
والجواب أن هذه سذاجة شديدة بل جهل كبير من المعترض على كلام الله سبحانه إذ ليس له أن يقيس حال الناس في الآخرة على حالهم في الدنيا،فإن لأمر مختلف كما أخبر القرآن نفسه لو كان قرأ القرآن كما يزعم، فإن الكافر في شر حال في هذا اليوم يحشر أعمى أصم أبكم ولكن ينطقه الله ويريه ما يشاء متى شاء بقدرته بل يختم على فمه وينطق جلده ويده ويشهدهم عليه بما فعل، " اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يعملون"، والملحد يتجاوز آيات عظام تدل بنفسها على قدرة الله سبحانه وعظمته وجلاله من شق السماوات وتكوير الشمس وانفجار البحار وزلزلة الأرض إذا السماء انشقت وإذا الكواكب انتثرت وإذا البحار فجرت وإذا القبور بعثرت علمت نفس ما قدمت وأخرت.. فكل ذلك يوم يراه الناس "تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى"، يحشرون حفاة عراة لا ينظر أحد إلى عورة أحد ف"إن الأمر أكبر من ذلك يا عائشة" كما جاء في الحديث.. حال يشغله عن التفكير بمثل هذه السطحية وأي شيء يتكلم عنه الملحد أعظم من نشر الخلق بعد موتهم وجمعهم بعد تفرقهم ووجودهم من عدم، كما بدأنا أول خلق نعيده وعدًا علينا إنا كنا فاعلين، وما في ذلك من آيات على قدرة الخالق سبحانه، والملحد يحجب فهمه ويقف عقله على: كيف يحشر الكافر أعمى ثم يطلب منه أن يقرأ بل كيف يسمع وهو أبكم، أليست هذه سداجة وغفلة؟ 
فليس هناك أي تناقض إلا جهل المعترض بكلام الله وتعسفه وسطحيته في تناول آيات الله.

- أما تساؤل الملحد عن إبليس هل كان من الجن أم الملائكة، ولماذا لم يبين القرآن هل هو ملك أم جن؟
أقول لعمر الله إنها شبهات تعلم ضعفها وتهافتها عندما تعلم أن المشركين الذين كانوا في أشد الحاجة لنقض القرآن لم يذكروها ولم يلتفتوا إليها وكل شبهة لهذ المعترض يزعم فيها التناقض تعلم ضعفها وتهافتها من إعراض المشركين عنها وعدم اتخاذها دليلا للطعن في القرآن ورسالة النبي، وقد كانوا أحوج ما يكونوا لذلك على مدار 23 سنة، ثم يأتي بعد أربعة عشر قرنا من الزمان من يعول عليها ويبثها بين المسلمين!
أعجمي في صورة عربي يحكم على البلاغة بالركاكة والتناسق بالاضطراب والضبط المتقن بالعشوائية ويصفق له مناصروه..
وأقول: إبليس من الجن بنص القرآن : "إلا إبليس كان من الجن" فهذا نص صريح أنه من الجن .. فكيف لم يبين القرآن جنس إبليس؟

فقوله تبارك وتعالى " كان من الجن" قاطع في تحديد جنسه، وما ادعاه المعترض من القرآن لم يبين ذلك رغم أنه بين وواضح ..إلح، كذب محض وتدليس متعمد واستغلال للخلاف الذي لا يخصه للتشويش وإبداء القرآن أنه لم يبين أمرًا كهذا ..

أما اختلاف العلماء فليس بحجة للمعترض إذ لا يمثل لنا جنس إبليس أية إشكال كما لم يمثل لنا حقائق كثيرة غيبية أية إشكال لأن إيماننا بالغيب جملة وتفصيلا هو ركن من أركان إيماننا وتصديقنا بالكتاب وما أخبر به هو ركن من أركان إيماننا، فليس بمعضل عندنا كون إبليس جن أم ملك، لكن لو أشكل معنى معين من معاني القرآن فإننا نضعه في حجمه وسياقه وأهميته ولم نتخذه مادة للشك أو الطعن، ولذا فالمختلفون في طبيعة إبليس من أهلا لعلم والمسرون كلهم مؤمنون لأنه لا مشكلة أن يكون جنا أو ملكًا، لكن الملحد الحائر الشاك فارغ المحتوى يظن أن هذا الاشكال يؤهل للطعن في القرآن وليس كذلك..
أما استثناؤه من خطاب الملائكة وهو ما أشكل على فريق من أهل العلم فقرر أنه من الملائكة فقد أجاب عنه الفريق الآخر فقالوا الاستثناء هنا منقطع، فالمستثنى فيه ليس من جنس المستثنى منه، واستمسكوا بالأصل القاطع من قوله " كان من الجن" واستأنسوا بآيات كقوله سبحانه: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ"، فقوله "كلهم أجمعون " تأكيد على أن جميع الملائكة قد سجدوا وأن إبليس ليس منهم بل من الجن.
والمعترض يعلم أنواع الاستثناء لكنه يمرر ذلك بخفة يد ويزعم أن الأصل في الاستثناء المتصل!
نعم الأصل كذلك لكنه هنا غير الأصل!
والسؤال هو: لم لام الحق سبحانه إبليس على عدم السجود إذا لم يدخل في خطابه الملائكة؟
والجواب:
أنه ليس هناك ما يستدعي إشكالية أن إبليس مأمور بالسجود أم لا، فالنص القرآني واضح في ذلك، قال تعالى :"قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ (إِذْ أَمَرْتُكَ) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِين"وسواء قلنا أنه مأمور بالأمر العام ، أم كان له أمر خاص، فإبليس لم يتعلل بأنه لم يؤمر، ولو كان لم يؤمر لقال لم تأمرني، بل قال : أنا خير منه، وقد جمع بعض أهلا لعلم بين القولين فقالابن القيم رحمه الله: الصواب التفصيل في هذه المسألة وأن القولين في الحقيقة قول واحد فإن إبليس كان مع الملائكة بصورته وليس منهم بمادته وأصله كان أصله من نار وأصل الملائكة من نور . فالنافي كونه من الملائكة والمثبت لم يتواردا علي محل واحد ."
يعني أن إبليس كان من الجن بمادته لكنه ربما ارتقى بعبادته إلى درجة الملائكة بما يشمله الأمر بالسجود.

==============

ثم عنون الملحد بفصل آخر بعنوان "ركاكة القرآن"

لو خرج هذا العنوان من عربي قح أو إمام من أئمة اللغة لهان الأمر، لكن هذا العنوان يخرج من أعجمي في صورة عربي، ربما لا يحسن فهم بعض التراكيب اللغوية ثم هو يقتحم على كتاب لغة في الأصل، نزل على أهل اللغة وأهل البلاغة والفصاحة، نزل يتحداهم ويعجزهم ويقول لهم إن هذا التعجيز وهذا التحدي آية ودليل على أن هذا الرسول الذي جاءكم به  من عند الله حقًا وصدقًا، بل وضع لهم المعيار الذي به يقيسون ويختبرون صحته فقال " ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا" كما يفعل أصحاب النظريات العلمية في عصرنا فيضعوا طريقة إبطال النظرية مع النظرية، فتكون شاهدة على صدقها وأحقيتها عند تطبيقها، فآمن أكثرهم وأذعنوا وسلَّموا بكل ما جاء به، وبقيت القلة القليلة منهم تناكف في جحود ومكابرة وقد عجزواعن استخراج ما يزعم هؤلاء الملاحدة من أنه تناقضات أو اختلافات، وقد كانوا في موضع لا يدخرون جهدا ولا رأيًا بل حتى افتراءً في سبيل الطعن في هذا القرآن وبيان بطلانه واختلافه، بل لو ظهر لهم من يبطل حرفًا منه لما التفتوا إلى أهليهم حتى يضربوا إليه أكباد الإبل وينفقوا في سبيل ذلك الغالي والنفيس فقد كانوا أحوج ما يكونوا إليه، بل أرسلوا ليهود المدينة ليسألوهم عن هذا النبي فدلوهم عن آيات صدقه وقالوا لهم اسألوه عن الفتية الذين خرجوا، وعن ذي القرنين وعن الروح، فسألوه وأجابهم كما في سورة الكهف وغيرها ومع ذلك جحدوا وكابروا  ..

وإنه لمن البلاء أن يقحم هؤلاء أنفسهم في هذه المهاوي ويضعون عقولهم في مهب الرياح فيصفون الجمال بالقبح ومنتهى البلاغة بالركاكة هكذا جهلًا ورأيًا مجردًا أو تدليسًا متعمدًا معتمدًا على الدعوى وتنميق الكلمات والتشدق بها، فيأتي على أجمل أسلوب وأحكم عبارة وأعظم مواضع البلاغة التي أفردتها كتب اللغة بالبحث والتنقيب والإبراز فيسميها ركاكة! اليس لنا أن نتعجب؟

فقد آن لك أن تمد رجليك.

يقول الملحد "ومن ركاكة الأسلوب التي تلاحظها في القرآن في البداية هي تغيير الخطاب تغيير صيغة الخطاب من المفرد إلى الجمع إلى المثنى وأحيانا تغيره الخطاب من المتكلم إلى الغائب هكذا فجأة وأنت تنتقل بين آيات القرآن ستجد أنه غير المخاطب وغير الصيغة غير صيغة كلامه من الجمع إلى المفرد أو غير المخاطب إلى الغائب يتكلم بصيغ مختلفة في نفس الآيات" ثم قال وهذا سيئة طبعًا ولا تجده في كلام العرب ولا في شعرهم ستجده فقط عند محمد وأنا أعزو هذا السبب لمرضه.."
والسؤال هو : ومن قال لك أن تغير صيغة الخطاب من المفرد إلى الجمع ومن الحاضر إلى الغائب ..إلخ من الركاكة؟
ما الدليل على ذلك .. علام استندت في دعواك؟
أنت مطالب بالدليل أولا على صحة ما تزعم، ولقائل أن يقول أن ما ذكرت هو عكس الحقيقة فهو من البلاغة والفصاحة وليس لكما إلا الدعوى!!
قد تقول ليس في كلام العرب ولا في شعرهم .. وأقول لك وهل تحفظ كل كلام العرب فعدم علمك ليس علما بالعدم .. فهل تستدل بجهلك؟

وسأكتفي فقط بنقل كلام الزركشي إمام العربية حيث قال رحمه الله : " الالتفات : هُوَ نَقْلُ الْكَلَامِ مِنْ أُسْلُوبٍ إِلَى أُسْلُوبٍ آخَرَ ، تَطْرِيَةً ، وَاسْتِدْرَارًا لِلسَّامِعِ، وَتَجْدِيدًا لِنَشَاطِهِ ، وَصِيَانَةً لِخَاطِرِهِ مِنَ الْمَلَالِ وَالضَّجَرِ بِدَوَامِ الْأُسْلُوبِ الْوَاحِدِ عَلَى سَمْعِهِ ، كَمَا قِيلَ :
لَا يُصْلِحُ النَّفْسَ إِنْ كَانَتْ مُصَرَّفَةً ... إِلَّا التَّنَقُّلُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالِ
قَالَ حَازِمٌ فِي "مِنْهَاجِ الْبُلَغَاءِ": وَهُمْ يَسْأَمُونَ الِاسْتِمْرَارَ عَلَى ضَمِيرِ مُتَكَلِّمٍ ، أَوْ ضَمِيرِ مُخَاطَبٍ ، فَيَنْتَقِلُونَ مِنَ الْخِطَابِ إِلَى الْغَيْبَةِ ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا يَتَلَاعَبُ الْمُتَكَلِّمُ بِضَمِيرِهِ ، فَتَارَةً يَجْعَلُهُ تاء عَلَى جِهَةِ الْإِخْبَارِ عَنْ نَفْسِهِ ، وَتَارَةً يَجْعَلُهُ كافا فَيَجْعَلُ نَفْسَهُ مُخَاطَبًا ، وَتَارَةً يَجْعَلُهُ هَاءً فَيُقِيمُ نَفْسَهُ مَقَامَ الْغَائِبِ . فَلِذَلِكَ كَانَ الْكَلَامُ الْمُتَوَالِي فِيهِ ضَمِيرُ الْمُتَكَلِّمِ وَالْمُخَاطَبِ لَا يُسْتَطَابُ ، وَإِنَّمَا يَحْسُنُ الِانْتِقَالُ مِنْ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ " . 
ثم ذكر رحمه الله أقسام هذا اللون ، وفوائده البلاغية . 
ينظر: "البرهان في علوم القرآن" لبدر الدين الزركشي (3/ 314-330) . "