جناية " ما بعد السلفية " على شيخ الإسلام .

الحمد لله وحده ..

فبرغم وصفهما له بأنه أجَّل عالم سلفي تعامل مع التراث السلفي على مدار ستة قرون ... إلا أنهما لم يؤكدا صحة تمثله لمذهب السلف، بل أوردا ما يدل على خلاف ذلك ! وقد أطلقا عدة إطلاقات ينازعان فيها، وبعضها غير صحيح ! منها : - قولهم صفحة 159: " إلى انقضاء القرون الخمسة الهجرية فإنك لا يمكنك أن تجد أي كلام لأي عالم من السلف أو غيرهم فيما يعرف بنواقض توحيد الألوهية عند ابن تيمية ،مثل شركيات القبور .." ا.هـ

ثم قالا : "فهذا شطر عظيم من أبواب التوحيد والسنة والاعتقاد لم يكن موجودا في المعمار السلفي قبل ابن تيمية أصلاً " ا.هـ وهذا الكلام غير صحيح ..

ويكفي في نقض ذلك ما نقلوه هم عن أبي الوفا ابن عقيل والبربهاري وابن خزيمة وغيرهم ، وقد نقل ابن القيم كلام أبي الوفا واحتج به على تكفير القبورية وابتداعهم . ويلزم من هذا الإطلاق أن ابن تيمية سجل براءة اختراع لهذا الشطر العظيم من العقيدة ! فالرجل كما قالا لديه قدرة على توليد العقائد السلفية !!

- وقد أوردا سؤالاً في صفحة 159 " لماذا نعد المعمار السلفي الحالي تيميا بالأساس ، وأن ابن تيمية ليس مجرد متلق للمعمار بل هو الذي شكل صورة بنيته .." ثم قالا :"قبل ابن تيمية لم يكن هناك معمار سلفي تام البنية ،وإنما أحجار وأعمدة مفرقة تتابع على إظهارها على السطح ..الصحابة والتابعون وتابعوهم وطبقة أحمد وأصحاب الحديث ثم علماء الحنابلة وغيرهم من السلفيين إلى زمان ابن تيمية .." ا.هـ

وهذا الكلام فيه نظر .. وتناقض !! فأما التناقض : فالكتاب قد حصر المعيار السلفي على الصحابة فكيف يقال بأن المعمار السلفي لم يكن تاماً لديهم، وأنه مجرد أحجار وأعمدة تتابعوا على إظهارها على السطح ؟ ويلزم من ذلك أن ابن تيمية أتم معيارية للمنهج السلفي من الصحابة والسلف مجتمعين !! وأما محل النظر فإن كل عصر له بنيانه المعماري العقدي المكتمل الخاص به ..

- ففي عصر الصحابة كان البنيان السلفي في أتم أحواله وأكمل صوره، فقرروا العقائد أتم تقرير وردوا على أهل البدع والمخالفين أبلغ الرد، فقاتل أبو بكر الصديق المرتدين فكان قتاله أصلا استند إليه من بعده ومنهم ابن تيمية في حكمه على التتار ،وكفر من امتنع عن الشرائع ،وقاتل علي في صفين والجمل فكان فعله أصلاً في قتال البغاة والخارجين عن طاعة الإمام ، وقاتل الخوارج فكان فعله أصلاً في قتل المبتدعة وقتالهم ، وتبرأ ابن عمر من القدرية فكان قوله أصلاً في تكفير منكري العلم وأمثالهم من أهل البدع ، وضرب عمر صبيغ ونفاه وأمر بهجره فكان فعله أصلاً في هجر أهل البدع وتعزيرهم ،وأثبتوا الصفات فكان كلامهم أصلا في ذلك استند عليه ابن تيمية وغيره في ذلك ،وهكذا في كل مسألة من أصول الدين تجدلهم قولاً يقررون فيه الحق ويبطلون فيه الباطل، فكيف يقال بأن المعمار السلفي لديهم لم يكن مكتملاً ..

هل قصر القوم في البيان أم جهلوا ؟! ثم التابعون وتابعوهم ،وقد كان كلامهم أكثر في تقرير العقائد والرد على الشبهات نظراً لظهورها في زمانهم عن زمان الصحابة ،وهكذا من بعدهم .. فكل عصر له بنيانه التام بما يكفي لتقرير المنهج السلفي والرد على الشبهات الواردة عليه،إلى زمان ابن تيمية .. وكون ابن تيمية متأخراً عنهم فهو جامع متلق لما سبقه من الأبنية، وكونه صاغه في شكل أو صورة مميزة، لا يعني أن بنيانه جديد ،وأنه مؤسس المعمار السلفي المعياري !!

- وكذا ينازعان في أن ابن تيمية قد انفرد بصياغة الصراع السلفي الأشعري، فكتب العلماء من قبله وكلامهم في الرد على الأشاعرة والإنكار عليهم وتفنيد حججهم لا تحصى كثرة ، وقد ذكر العلامة يوسف بن حسن بن عبد الهادي المعروف بابن المبرد في رده على ابن عساكر " الدساكر " أقوال أكثر من أربعمائة عالم جانبوا الأشاعرة وردوا عليهم من شتى المذاهب، وجلهم كان قبل ابن تيمية .قال رحمه الله: "وقد رأينا في أصحابنا ورفقائنا ومن اشتغل معنا أكثر من ألف واحد على مجانبتهم ومفارقتهم، والوقوع فيهم، وما تركنا ممن تقدم أكثر ممن ذكرنا، ..ووالله ثم والله لما تركنا أكثر ممن ذكرنا، ولو ذهبنا نستقصي ونتتبع كل من جانبهم من يومهم إلى الآن لزادوا على عشرة آلاف نفس " ا.هـ

وكذا كلامهما في أصول الفقه والرد على الشيعة والنصارى .وكل هذا الكلام ينازعا فيه ولا يسلم لهما، وقولهم أن هذا لا يجوز أن ينازع فيه سلفي أو ينكره = مصادرة ؛ لأنهم لم يقدما على ما ذكراه أدلة يقينية أو دراسة موثقة، فكلامهم مجرد حشو إنشائي لا بينه عليه ،وهو أشبه بمن يدعي الإجماع لتوهم عدم المخالف! فالإصرار على أن ابن تيمية هو صاحب المعمار السلفي الأوحد التام المكتمل محل نظر ؛ فما هو إلا حلقة مباركة في سلسلة مباركة من لدن الصحابة إلى وقته ..

- ولكن ماذا بعد كل ما ذكراه في حق مؤسس المعمار السلفي الفريد ؟ هل استحق أن يكون صحيح التمثيل لمنهج السلف والصحابة ؟ الجواب : لا تأكيد لذلك ..فنحن مؤرخا أفكار !!

- بل إن هناك من لا يراه غير ممثل لا للسلف ولا لأهل الحديث .. من هؤلاء ؟ إنهم : الرافضة والأشاعرة ..فما كان أحوج الباحثان لذكر تقييم خصومه له !! والحقيقة أنه ليس هؤلاء فقط من يشكك في صدق التمثيل ، فقد وضع الباحثان في صـ 162 معياراً يختبران به صحة تمثيل ابن تيمية لمنهج السلف فقالا : " من المهم هنا أن نشير إلى صور وحالات تمثل ابن تيمية للتراث السلفي السابق ،وهي في نظرنا ست حالات ،وهي على كل حال بمثابة المسبار والاختبار للنجاعة المنهجية " لدعوى" – انتبه- ابن تيمية : " لم أدع أحداً قط في أصول الدين إلى مذهب حنبلي أو غير حنبلي ولا انتصرت لذلك ولا أذكر في كلامي إلا ما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها "ا.هـ

فدعوى ابن تيمية هنا تدور حول أمرين :

الأول : عدم تعصبه للمذهب الحنبلي .

الثاني : اقتصاره في تقريراته على نقل ما اتفق عليه السلف والأئمة . وقد ذكر الباحثان في هذه الحالات الست ما يفيد أنه لم يكن صادقاً في أي منهما ،وهذا يعني = عدم صحة تمثيله لمنهج السلف !!

- فذكرا في صـ 165: ما ينقض دعواه الأولى في أنه لم يدع إلى مذهب حنبلي ولا غير حنبلي ولم ينتصرلذلك فقالا : " فابن تيمية ينقل بعض الآراء عن السلف ....وفي بعض تلك الحالات يمارس ابن تيمية سطوة مذهبية أحياناً فيما يتعلق بالمذهب الحنبلي خاصة " !! وهذا معناه أنه يتعصب للمذهب الحنبلي ! وسيأتي التعليق على ذلك ..

- وذكراً في صـ 169 ما ينقض دعواه الثانية ،أنه لا يذكر إلا كلام سلف الأمة وأئمتها ،فقالا : " الخامسة : التخريج . بمعنى أن ينقل ابن تيمية قولا في مسألة ثم يخرج عليه بحثاً آخر لم يقل السلف به نفسه . "ا.هـ

ثم قالا في نفس الصفحة : "ومن الواضح أن السلف – انتبه - لم يقولوا بهذا القول عينه، فيمن ينقل عنهم الجميع بمن فيهم ابن تيمية نفسه ،فهو تخريج تيمي على قول السلف = وليس قولا سلفيا في نفسه ." ا.هـ

وقد مثَّلا لهذه السطوة المذهبية بأمرين لا علاقة لهما بهذا المعنى !! فمثَّلا بكلامه في تكفير الشافعي لحفص الفرد ،وتأوله بأنه لم يحكم عليه بالردة رغم تكفيره له .. ولا أدري ما في ذلك من سطوة مذهبية حنبلية !! فكلام ابن تيمية له وجهه المعتبر ،وإن لم يقف عليه الباحثان أو يقنعا به !! وكم يحصل من مناظرات بين أهل العلم يذكرا فيها كفر المناظر ،ولا يرتبون على ذلك حكماً بالردة ..ويكون كلامهم من باب التغليظ ،وبيان أن أقوالهم تستلزم الكفر... فقوله رحمه الله :" ولو اعتقد أنه مرتد لسعى في قتله " له وجه الصحيح ، فحفص لم يقم عليه حد الردة رغم تكفير الشافعي له ،وليس زمانهم مثل زماننا ،فقد كان الشرع محكما، والحدود مقامة . ولا يرد ذلك قول حفص عن الشافعي : " أراد قتلي " ، لاحتمال ظنه أن ذلك مقتضى قول الشافعي له " كفرت ".

ومنهج شيخ الإسلام في أهل البدع أن كفرهم من باب التكفير باللوازم، وأنه لا يلزم من القول بكفرهم معاملتهم كالمرتدين قال رحمه الله : "وبيان " هذا الموضع " مما يزيل الشبهة: فإن كثيرا من الفقهاء يظن أن من قيل هو كافر فإنه يجب أن تجري عليه أحكام المرتد ردة ظاهرة فلا يرث ولا يورث ولا يناكح حتى أجروا هذه الأحكام على من كفروه بالتأويل من أهل البدع وليس الأمر كذلك؛" 7-617 مجموع الفتاوى - وأياً كان رأي شيخ الإسلام فكلامه له وجه كما ذكرت ،ولا يمنع حمله على غير ذلك من الوجوه .. فأين ما يمكن أن يسمى سطوة مذهبية للمذهب الحنبلي في هذا المثال ؟

- أضف إلى ذلك أن الباحثين قد ذكرا في هامش صفحة 166 أن ابن تيمية نفى عن أحمد تكفير الجهمية وأنه قد ثبت تكفيره لبعضهم ! وذكرا أن ابن تيمية قد حمل كلام أحمد في المأمون على عدم التكفير وأن الوارد عن أحمد في السنة للخلال تكفيره له ،والسؤال هنا لأي مذهب كانت هذه السطوة المذهبية ؟! - وأما المثال الثاني فقد ذكراه في صـ 166 : حيث زعما أن ابن تيمية له قراءة خاصة في معماره السلفي لمذهب أحمد في " توبة المبتدع وهجره " تختلف عن موقف أحمد ومن بعده كالبربهاري .. وذكرا أن منهج ابن تيمية هو مشروعية الهجر ابتداءً ،لكنه منوط عنده بـ " المصلحة " ،بخلاف منهج أحمد الذي " فيه قدر زائد وأحيانا مبالغة في التشديد في معاملة المبتدع واعتماد هجرة والتغليظ عليه في جميع الأحوال "

- وهذا التمثيل غير صحيح كسابقه! لأنه فيما يبدو خروج عن المذهب الحنبلي وما عليه إمامه ومؤسسه ! وهو أيضاً يتناقض مع ما ذكراه في صـ 167 حيث قالا : " ورغم ابن تيمية قد قدر أن يحصل من مسائل أحمد ما يمكنه أن يفرق به بين حالات هجر المبتدع بناء على العامل المكاني بما يمكن توسيعه إلى مفهوم القدرة والعجز عموما .. "ا.هـ

ومفهوم القدرة والعجز مفهوم مصلحي في حد ذاته .. فالمصلحة حال العجز تقتضي تعاملا ً معيناً مع المبتدع ،وحال القدرة تقتضي تعاملاً آخر ، كحال ظهور السنة وقوتها ،وضعفها وخفائها ، فلم يختلف ابن تيمية في قراءته عن أحمد في هذا الشأن ، ولو بحثنا في كتب الأئمة فلن نعدم سلفاً لابن تيمية يقيم التعامل والهجر على أساس المصلحة والمفسدة ، وهو فقه عزيز يمتنع عدم وجوده لدى الصحابة أو التابعين وأتباعهم إلى ابن تيمية !! وقولهما " إلا أن الخلاصة التيمية سالفة الذكر لم تقتصر على نسبية الهجر على القدرة والعجز فحسب ، ولكن المبنى التيمي الأهم هو : المصلحة " ا.هـ

محاولة لإظهار تفرد ابن تيمية بمنهج مختلف عن السلف والأئمة في هذه المسألة المنهجية ، وفي نفس الوقت تأكيد أنه لم يقتصر في معماره على السلفي على منهج السلف بل صاغ هو عقائد مختلفة عما قرروه !! - وفي صفحة 169 : " فإنه في تلك المرحلة التي معنا يقوم بتخريج كامل على كلام السلف، حيث استظهر ابن تيمية من كون الله تقوم به الحوادث والأفعال الاختيارية بلا أول .." ا.هـ

والقول بأن إثبات الأفعال الاختيارية لله = تقوم به الحوادث = غير صحيح !! ومعلوم منهج شيخ الإسلام في هذه الألفاظ المجملة ، فالتعبير بهذا المصطلح ، وقد كرراه = نَفَسٌ أشعري فلسفي واضح خاطئ !! وبعد سرد هذه الحالات الست التي وضعاها مسبارا يزنان به مدى صحة تمثيل ابن تيمية لمنهج السلف يتبين للقارئ أن ليس فقط الرافضة أو الأشاعرة من يطعن في صحة تمثيل ابن تيمية للمنهج السلفي ،بل اثبت الباحثان أنه -وحاشاه - لم يكن صادقاً في دعواه أنه لم يدعو لمذهب الحنبلي ولا غير حنبلي ولا تعصب لذلك ، وأنه ناقل لكلام السلف والأئمة !! فإذا عرفت أن أعظم مسألتين وقع فيهما الصراع بين ابن تيمية وخصومه من الأشاعرة، و كفره من كفره بسببهما هما : - إمكان حوادث لا أول لها . وقيام الحوادث في ذات الله . وقد أثبت الباحثان أنهما من تخريج ابن تيمية على كلام السلف وليس من كلام السلف ذاته .. عرفت مقدار الهدية الثمينة التي سلمّاها لخصومه من الأشاعرة وغيرهم !! فقد شهد شاهد من أهلها ،فأثبتوا كذب ابن تيمية على السلف، وأنه قد ولَّد هذه الأقوال ،وخرَّجها على كلام السلف، ثم نسبها إليهم وليست من أقوالهم !! فكأني أرى وجهك يا سعيد فودة وقد تهلل !!