‏محطات سريعة مع كتاب ما بعد السلفية

الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين وأصلي وأسلم على خاتم النبيين ..

أما بعد : فهذه وقفات سريعة مع بعض ما في كتاب" ما بعد السلفية " من أخطأء ومغالطات والله أسأل أن يوفق صاحبي الكتاب لما يحب ويرضى .

الوقفة الأولى : في صفحة 14 احترز صاحبا كتاب ما بعد السلفية من ألفاظ التعميم التي سيوردانها في الكتاب ، فقالا : "ونوضح أن غرضنا من معظم صيغ التعميم في الكتاب هو التعبير عن نمط سائد منتشر داخل السلفية ،وإن لم يكن مستغرقاً للسلفية أو حتى غالباً عليها لكنه يبقى من الكثرة بحيث يجوز في العربية أن يعبر عنه بلا استعمال لعبارات الاستثناء فإن التعميم لا يساوي الاستغراق ، التعميم إشارة إلى الكثير السائد سواء كان مستغرقاً أم لا " ثم قالا : "وجل ما تسمعه من نقد التعميمات = خطأ وعجمة لسانية " وهذا الكلام غير دقيق ! بل الجزم بأن العموم لا يساوي الاستغراق أصلاً = غير صحيح ! وكلام شيخ الإسلام - إن ثبت عنه ،وقد بحثت فلم أجده – فليس على إطلاقه ،ولا يمكن أن يكون على إطلاقه لا سيما وقد قيده في نفس النقل بظهور قصد العموم التقييد .

وإطلاق القول بأن العموم لا يفيد الاستغراق مذهب من المذاهب وليس هو القول الوحيد في المسالة ، بل الأكثر على إفادة الاستغراق ! ونصوص الوحي فيها هذا وهذا ... ففيها قول النبي صلى الله عليه وسلم " أمرت أن أقاتل " الناس" .. " الحديث على الخصوص .. وفيها قوله تعالى " قل يا أيها " الناس " إني رسول الله إليكم جميعا " على العموم . وفيه قول نوح عليه السلام " إن ابني من أهلي " .

وقد فهم عموم النجاة ولم ينكر عليه ... وفيها قول إبراهيم عليه السلام " إن فيها لوطا " .وقد فهم عموم الهلاك للقرية ولم ينكر عليه .. والنقول في هذا لا تحصى .. وصيغة العموم إن تجردت عن القرائن كانت في أدنى أحوالها ظاهراً في الاستغراق فأفادت العموم والشمول لجميع أفرادها .. ،واستخدامها مع قصد التخصيص والتقيد معتبر بشرط ظهور هذا القصد إما بالقرائن الحالية أو المقالية ،أو معرفة عرف المتكلم ،أو تقييد السياق . ويحتمل أن يكون كلام شيخ الإسلام في مسألة شمول العام للأحوال والمتعلقات ،وهي مسألة خلاف معروفة ، ولم يُعز نص كلامه لنقف على سياقه !! وحتى مسألة إفادة العموم للاستغراق أو عدمه، فيها خلاف مشهور يمنع الجزم بعدم الإفادة بهذه الصورة ،لاسيما والأكثر على إفادة الاستغراق ..

قال علاء الدين البخاري: " وأما من قال حد العام هو اللفظ الدال على الشيئين فصاعدا فقد احترز عنها أيضا بقوله فصاعدا، وعن اشتراط الاستغراق، فإنه عند أكثر مشايخ ديارنا ليس بشرط، وعند مشايخ العراق من أصحابنا وعامة أصحاب الشافعي وغيرهم من الأصوليين هو شرط وحد العام عندهم هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد واحترزوا بقولهم المستغرق لجميع ما يصلح له عن النكرات في الإثبات وحدانا وتثنية وجمعا؛ لأن رجلا يصلح لكل ذكر من بني آدم لكنه ليس بمستغرق وقس عليه رجلين ورجالا، وبقولهم بحسب وضع واحد على اللفظ المشترك أو الذي له حقيقة ومجاز إذا عم كالعيون والأسود، فإنه لا يتناول مفهوميه معا، فالحاصل أن الاستغراق شرط عندهم والاجتماع عندنا " كشف الأسرار: 1 / 53 ثم لماذا تلجآن إلى التعميم وأنتم تريدان التخصيص ،ولمّا يظهر مرادكم ،ولم تبينوه ، لماذا الإجمال ؟ ولا سيما في اللغة ما يغني عن ذلك من قول كثير وأكثر وغالب وأغلب ومعظم ، لماذا الإصرار على النسف بكل وجميع وأي ولا النافية للجنس ؟! وإذا كان ما تنتقدونه نمط سائد وظاهرة مرضية في الواقع السلفي لا تصدق على أكثر السلفين أو غلبهم فلم تبشرون بالأفول إذن ؟!

الثانية : في كتب ما بعد السلفية صفحة 159 جزم صاحبا الكتاب جزماً أكداه بأقوى صيغ الجزم أنه : " إلى انقضاء القرون الخمسة الهجرية فإنك لا يمكنك أن تجد أي كلام لأي عالم من السلف أو غيرهم فيما يعرف بنواقض توحيد الألوهية عند ابن تيمية ،مثل شركيات القبور .." ثم قالا : "فهذا شطر عظيم من أبواب التوحيد والسنة والاعتقاد لم يكن موجودا في المعمار السلفي قبل ابن تيمية أصلاً " ا.هـ

وهذا الكلام من مثارت العجب !! ويلزم من هذا أن ابن تييمة سجل براءة اختراع لهذا الشطر العظيم من العقيدة ! كيف لا يوجد كلام في شرك الألوهية قبل ابن تيمية ؟! ألا يكفي ما نقلتموه أنتم عن أبي الوفا ابن عقيل والبربهاري وابن خزيمة وابن عبد البر والنووي ..هذا فضلا عما لم يذكراه مما هو مشحون في كتب الفقه والتفاسير قبل ابن تيمية .. وهل هذا إلا إسفاف واستخفاف؟ هذا الكلام لا يقول به طالب علم مبتدئ فضلاً عمن ملأ الدنيا غروراً وتعالياً وازدراء للآخرين !!

الثالثة : وتحت عنوان :"موجز تطور السلفية المعاصرة" صـ 203 سجل الشيخان تاريخ تواجد السلفية في بلدان العالم كله تقريباً ( السودان ليبيا الجزائر المغرب موريتانيا العراق سوريا الأردن فلسطين لبنان الكويت قطر عمان الإمارات البحرين اليمن آسيا وأوربا ) ,,, وذلك في ثلاثة عشر صفحة من صفحة 203 - 216 دون ذكر أي مراجع ؛إلا تونس فقد استشهدا بالشيخ كمال المرزوقي ..الشاب المعاصر !! مع أنهما ذكرا تواريخ وأرقام وأسماء جماعات وأسماء رجال عرب وأجانب ،على وجه الدقة والاختصار .

ولا شك أن هذه المعلومات مأخوذة من مراجع علمية معتمدة ،فلن يعتمد من ينتقد منهج أهل الحديث في توثيق الأخبار كلام صحف أو أحاديث أسمار . وبالضرورة فلم يعاصرا هذه الجماعات في كل أنحاء العالم ،وقد ذكرا تواريخ قديمة يرجع بعضها إلي قرنبن من الزمان . فأين مصادر هذه المعلومات، ولم لم يذكراها من باب نسبة الفضل إلى أهله ،أو على الأقل لنرجع إليها فنرى صدق هذه المعلومات من خطأها ؟! وهل يعد هذا من السطو على مجهودات الآخرين ؟!

الرابعة : في صفحة : 57 وتحت عنوان "الفرقة الناجية " انتقد صاحبا الكتاب جملة من الفهوم لحديث الافتراق .. منها ما ذهب إليه جميع شراح الحديث من أهل العلم والأئمة من أن الفرقة الناجية المذكورة في قول النبي صلى الله عليه وسلم ،" كلها في النار إلا واحدة " هي الفرقة الموافقة لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم في مسائل الاعتقاد والأصول الكلية على وجه الخصوص ! وأصل الغلط لديهما يكمن في فهمهما لكلمة " الاعتقاد " !! حيث ظنا أن الاعتقاد المذكور في كلام أهل العلم قسيم العبادات والمعاملات والخلاق والسلوك ..فقالا لماذا تخصيص ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم بالاعتقاد دون العبادات وو... وهذا سوء فهم !! فإن الاعتقاد الموافق لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه هو شامل لكل هذه الأقسام جميعاً من جهة "اعتقاد ورودها عن الشارع والتسليهم لها " لا من جهة التزام فعلها الظاهر !! فكل واجب ومحرم وخلق وسلوك ومعاملة له شقان في دين الإسلام ،

يجب على العبد فيهما الموافقة : الأول : الموافقة في اعتقاد ورودها عن الشريعة .. كاعتقاد حرمتها أو وجوبها عن الشارع .. والثاني : الموافقة في فعلها أو تركها بحسب ما جاءت به الشريعة .. الشق الأول هو المقصود في كلام النبي صلى الله عليه وسلم ما أنا عليه اليوم وأصحابي ،وهو شامل لجميع مسائل أصول الدين وفروعه لذا تجد مسائل فقهية ومواقف سلوكية كالمسح على الخفين والموقف من الصحابة في أبواب الاعتقاد تمييزا لأهل السنة عمن خرج عن نصوص الشريعة في هذه المسائل !! قالا : " وهو الفهم الأخطر وهو الألصق بموضوع بحثنا : وهو فهم من عَيَّن مجموعة من الأبواب والمسائل كأصول الدين أو أصول مسائل الاعتقاد وجعلها حصراً وقصراً مناط الافتراق ،وبالتالي جعل من التزم فيها قولا معينا كان من الفرقة الناجية ،دون من خالف فيها وهذا الفهم غلط ظاهر ،فإن الحديث أتى في كل ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من القول والعمل ،وهذا يشمل أصول الاعتقاد وفروعه وأصول الشرائع والعمال وفروعها وسائر أبواب الأخلاق والمعاملات .." لو اقتصرا على ذلك لأمكن حمل كلامهما على معنى صحيح ، ولكنهما قالا بعد ذلك : "ولا يكون رجل أو تكون طائفة من الفرقة الناجية غير متوعدة بالنار حتى يخلو من كل مخالفة تكون سبباً للوعيد بالنار في العقائد والأخلاق والعبادات والمعاملات .." ا.هـ

فحملاً الموافقة والمخالفة لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على الفعل والترك وحملوا المخالفة على المخالفة العملية والقولبة والاعتقادية في أبواب الشريعة وهذا أساس الغلط !! فإن المقصود بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه هو موافقة أدلة الكتاب والسنة والإجماع من جهة الإتباع والتسليم لهما كمصدر لتلقي التشريع الأحكام الشرعية بما تتضمنه من العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق والسلوك لا الالتزام العملي بنفس الأحكام والعبادات والعقائد والمعاملات وليس من جهة الفعل والترك فهذا مأخذ آخر له أدلته الخاصة ..

وهنا لا يلزم تحديد مسائل معينة عقدية أو غيرها يلزم من الخروج عليها وصف الابتداع ، بل كل من خرج عن موجب الكتاب والسنة والإجماع أو عارضها بلا تأويل مستساغ فهو مبتدع ، ومعرض للوعيد. قال شيخ الإسلام : " وشعار هذه الفرق مفارقة الكتاب والسنة والإجماع. فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة."ا.هـ 3-346 من مجموع الفتاوى

وقد بنى صاحبا الكتاب تفسيرهم لهذا الحديث – فيما يبدو - على أمرين : الأول : أن النصوص الشرعية قد رتبت الوعيد بالنار على المخالفة في جميع أبواب الدين من العقائد والمعاملات والعبادات، كأكل أموال اليتامى وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق والزنى وقول الزور وترك الزكاة وغير ذلك فهو غير مختص باب دون باب، لذا،فهم يرون أن تخصيصه الوعيد بالمخالفة في باب العقائد وجعل ذلك مناط الافتراق = غلط . الثاني : إمكان تخلف هذا الوعيد في حق جميع من توعدوا بالنار إما لحسنات ماحية أو شفاعة منجية أو عفو مطلق من الرحمن سبحانه وتعالى .. فقالوا إذا كان الجميع متوعدا بالنار على المخالفة في كل أبواب الشريعة أصولا وفروعاً ،وموعود بالنعيم على الموافقة في جميع أبواب الشريعة ، فلم حصر مناط الافتراق على أساس عقدي ؟ ثم لم يبينوا هم مناط الافتراق الصحيح ، وهل هو كل أبواب الشريعة أم ماذا ؟ فيلزم على تفسيرهم توسع شديد لمناط الافتراق ليكون بعدد مسائل الشريعة الجزئية..

وهذا غير مقصود لهما والصحيح أنه لا تلازم بين إمكان النجاة وتخلف الوعيد وبين وصف الابتداع الموجب للتمييز والافتراق. وقد أهملوا في الحديث ثلاث معاني :

الأول : قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: " تفترق " ،وهذا الافتراق له مدلوله الشرعي واللغوي ، فإن الحديث نص في أن الأمة ستفترق افتراقاً يترتب عليه الوعيد، وليس اختلاف الأمة في فروع الشريعة وأحكامها الفقهية بموجب لافتراقها الذي يترتب عليه الوعيد ؟ وإلا كان اختلاف المذاهب الفقهية موجباً للوعيد وداخل في حديث الافتراق ..

الثاني : مدلول قوله صلى الله عليه وسلم " ثلاث وسبعين فرقة " وفي رواية صحيحة " ثلاث وسبعين ملة " وذلك يوضح بلا شك أن موجب الافتراق هو ما كان في الأصول والعقائد على المعنى الذي ذكرته ،فهذا ما يقتضيه لفظ "الملة " ، وقد جاء تفسير هذا اللفظ مدرجاً في الحديث بقوله – يعني الأهواء – بما يؤكد خطا ما ذهبا إليه صاحبا الكتاب وشذوذه !

الثالث : مدلول الاستثناء في قول النبي صلى وسلم علي " كلها في النار إلا واحدة " ،فما قيمته إن كان الكل ناج وهالك بحسب الموافقة والمخالفة في القول والعمل ، فلماذا الاستثناء إذن ؟! ومما سبق يتبين أن قولهم في صفحة 58 : "ومن هنا يظهر أن استحضار هذا الحديث في أبواب العقائد ينبغي ألا يزيد أبواب العبادات والمعاملات والأخلاق " = غلط ظاهر . والله أعلم الخامسة : تناقض ٌ أو تلاعب ؟!! تذكرون موضوع السطوة المذهبية التي مارسها ابن تيمية رحمه الله تبعاً للمذهب الحنبلي والأمثلة التي ليس لها علاقة بالموضوع ... تذكرون ؟! تذكروا .. حينها ضربوا أمثلة لهذه السطوة بتعليق ابن تيمية على كلام الشافعي في تكفير حفص الفرد ،وأنكروا على ابن تيمية تأويل (تحريف) كلام الشافعي ، وقالوا : " لكنه - أي ابن تيمية - اختار تأويل النص ليقلل من إيقاع الكفر على المعينين كما هي طريقته ) صـ166.... ( سطوة بئة ) وفي هامش نفس الصفحة أنكروا على ابن تييمية نفس التصرف في كلام أحمد ، حيث قالوا : " وهو حريص على " جعل " التحوط في تكفير المعينين طريقة السلف ، وينفي تكفير بعض أعيان السلف لبعض أعيان المبتدعة رغم " ثبوت ذلك " - انتبه - مثل نفيه عن أحمد تكفير الجهمية ،وقد ثبت عنه تكفير بعض أعيانهم كما في السنة للخلال 5-117 .

وفي 5-95 الظاهر أنه يحمل على تكفير أحمد للمأمون ، وابن تيمية ينفي عن أحمد ذلك " هامش صـ 166 هذا كله أوردوه تفسيراً لهذه السطوة المذهبية من ابن تيمية ولكنهم لما احتاجوا إلى كلام ابن تيمية وكلام أحمد في مواجهة تشدد الدعوة الوهابية ،والرد على كلام الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ صـ 187 بشأن فتواه في الجهمية ،أوردوا كلام ابن تيمية نفسه من غير اعتباره سطوة مذهبية بل على صورة المنهج المعتدل المقابل للمنهج المتشدد !! وأوردا كلام أحمد الذي كان هناك يكفر الجهمية والمأمون ليقابلا به منهج أئمة الدعوة المتشدد المتهور !! فقالا : " غاية ما هنالك أنا نستحضر قول ابن تيمية " أحمد لم يكفر أعيان الجهمية ولا كل من قال أنه جهمي كفرة ولا كل من وافق الجهمية في بعض بدعهم بل صلى خلف الجهمية الذين دعوا إلى قولهم وامتحنوا الناس وعاقبوا من لم يوافقهم بالعقوبات الغليظة لم يكفرهم أحمد وأمثاله ، بل كان يعتقد إيمانهم وإمامتهم (المأمون ) ..." ا.هـ

فما كان هناك سطوة مذهبية وتأويل لكلام الأئمة استحضر الآن على أنه تفسير لأعظم تحقق سلفي تارخي !! وما كان هناك تكفير للجهمية مطلقاً والمأمون استبدل " بحالة " تكفير معين أو نحوها ثبتت عن " واحد " من طبقة اصحاب الحديث !! وصدق الله :" ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيرا " فهل هذا تناقض أم تلاعب ؟!