سلسلة تبسيط معاني التوحيد (2) صلة السياسة بالتوحيد!

ما علاقة التوحيد بالسياسة والحكم ؟
يخطئ من يقول لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين!
فإن السياسة عبارة عن تسيس أمور الحياة وإدارتها على وجه يصلح العباد والبلاد، والذي يقول: لا دين في السياسة يفصل الدين عن الدنيا ويحصر الدين في المسجد وأداء الشعائر وهذه هي العلمانية بشحمها ولحمها!

فإدارة شؤون الحياة على الوجه الأصلح والأفضل قد كفلته الشريعة قال سبحانه : "ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير " والذي يخترع دواءً أو جهازًا يضع له إرشادات السلامة،ويكتب: ضعه في درجة حرارة كذا أو لا تضعه بجوار كذا، وهذا اختراع بسيط فكيف بشأن هذه المخلوقات وهذا الكون الواسع أيخلقها ربها سبحانه ويتركهم هملاً؟! 
إن العلمانية كانت ثورة على ما يسمونه بالحكم الإلهي، حيث كان الرهبان والقساوسة يحكمون ويشرعون بأنفسهم وينسبون حكمهم لله، فعاش الناس ما يسمى بالقرون الوسطى المظلمة فظاعات وحقب سوداء تحت ما يسمى بالحكم الإلهي، أو الكنسي، وقد أدمج القساوسة بعض النظريات العلمية والرؤى الفلسفية كرؤية أرسطو للكون ومركزية الأرض وغيرها في كتابهم المقدس وصاروا يقدسونها تقديس النصوص الإلهية، فوقفوا في وجه العلوم الحديثة التي تخالف هذه الرؤى التي تبنوها وأخذوا في محاربة أهلها حتى وصل الأمر بهم إلى حق العلماء وتعذيبهم ومنهم "كوبر نيكوس" أول من صاغ نظرية مركزية الشمس وجاليليو فكانوا أعداء العلم والعلماء فلما قامت الثورة قضت على القساوسة وحصرت الدين على الكنيسة وأداء الطقوس الدينية، وقالوا : "دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله " ففصلوا الدين عن الحياة نتيجة لهذا الظلم الذي كانوا يمارس عليهم باسم الإله، فأول مبادئ العلمانية فصل الدين عن الحياة، فهل نؤمن نحن بهذا؟

وهل من يطالب بتحكيم الشريعة يحكم باسم الإله ؟ بالطبع لا! 
فالشريعة بها من الأحكام ما يكفل صلاح العباد والبلاد بكافة شؤونها : "ما فرطنا في الكتاب من شيء"، فحكم كل شيء تجده في شريعة الله: "وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله "، فما من شيء بنص القرآن إلا وعند الله حكمه وبيانه وتفصيله،علمه من علمه وجهله من جهله.
أما صلة التوحيد بالسياسة والحكم فهو أن الحكم بمعنى التشريع لا يكون إلا لله، فلا مشرع في الإسلام إلا الله، ولا تشريع في الإسلام إلا قانون الله ودستوره، وهو الكتاب والسنة، وما حمل عليهما بطريق الإجتهاد كالإجماع والقياس، فهذه أدلة الشريعة.
ومرة أخرى ما صلة أن الله سبحانه هو المشرع بالتوحيد؟
والجواب: أنه إذا كان المشرع هو الله فإفراد الله بهذا المعنى من التوحيد،وما على المسلم إلا قبول حكمه والاستسلام لشرعه، والعبودية معناها الخضوع والاستسلام.
فإنه إن قال لك أحدٌ ما: أنا آمرك فاذعن لي، فإنك ستبادره قبل أن يأمرك أو ينهاك بقولك: ومن أنت حتى تأمرني؟! فأنت باستنكارك هذا قد رفضت ابتداءً أمره ونهيه، لأنه ليس له أهليه لذلك، فالرجل البسيط يدرك أن الأمر والحكم لا يكون إلا من صاحب الأمر، ويدرك أن الذل والخنوع والخضوع لا يكون إلا لمن له سلطان الأمر، فقبول الشرع والاستسلام للحكم هو معنى الاسلام وأصل التوحيد، وقبوله من غير الله هو الذل والعبودية لغير الله .

فالصلة وثيقة إذن بين التشريع والتوحيد والتشريع شامل لكل مناحي الحياة دينية ودنيوية، فعلى المسلم قبول شرع الله والاستسلام لأحكامه، ورد غيرها، بل والكفر بها، فردها والكفر بها هو حقيقة الكفر بالطاغوت، وهو حقيقة قوله تعالى: يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به" فما آمن بالله من يشرع أحكامًا يرد بها أحكام الله، وما آمن بالله من يقدم أحكام غير الله على حكم الله، وما آمن بالله من يسوس بين حكم الله وحكم غيره. 
فلنومن جميعًا بشرع الله ولنستسلم لأحكامه سبحانه، ونكفر بالقوانين الوضعية التي يضعها أمثالنا من البشرغير المعصومين والذين ليس لهم سلطان الأمر والتشريع مع الله أو من دونه.

فالسياسة من الدين والدين فيه السياسة.