سلسلة تبسيط معاني التوحيد (4) الخطأ في معنى لا إله إلا الله!

كلمة لا إله إلا الله عنوان التوحيد، ودليل الانتقال من الكفر والشرك إلى الإيمان والتوحيد، فهي ليست كلمة تقال باللسان بل هي كلمة لها معاني ومقتضيات وأحكام، ولذلك فإن كفار قريش امتنعوا من النطق بها رغم ما كانوا إليه من حاجة إلى عصمة دمائهم وأموالهم إذ كان النطق بها ينجيهم من ذلك، ولكنهم علموا معناها ومقتضاها من ترك دينهم ودين آبائهم وترك سيادتهم ومساواتهم بالعبيد أمام حكم الله، وعلموا أن هذه الكلمة تسوي بين جميع من ينطق بها تحت راية واحدة، فوق راية القبيلة والعشيرة والعصبية فاستصعبوا ما تضمنته من أحكام فأبوا أن ينطقوا بها وأصروا على الشرك ...
ترى لو علم المسلمون اليوم مقتضى هذه الكلمة وأحكامها كما علمه العرب أكانوا يقرون بها؟
- فما هي أحكام لا إله إلا الله وما مقتضياتها وما معناها ؟
ولنبدأ بالأخير :
فلا إله إلا الله معناها متوقفٌ على معنى كلمة " الإله " ،وقد أخطأ أقوام في معناها فضلوا وأضلوا، فقالوا : "الإله " هو الخالق، أو القادر على الإختراع، فجعلوا من يقر بأن الله هو الخالق مسلمًا موحدًا، وإن أشرك مع الله في عبادته،  فمن قال إن الله هو القادر الخالق فهو الموحد عندهم، وإن لم يعبده، وإن عبد معه غيره، فلم يختلف توحيدهم عن توحيد أبي جهل ومشركي قريش حيث كانوا يقرون بذلك المعنى، فقد كانوا إذا سئلوا من خلقهم يقولون الله، وذكر ذلك عنهم في كتابه سبحانه فقال : " ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله " وقال : " ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله " فإذا فسرنا الإله بمعنى الخالق أو القادر على الإيجاد والتأثير كما يقول طوائف من الأشاعرة فهل يختلف توحيدنا عما كان عليه المشركون الذين بعث فيه الرسول صلى الله عليه وسلم؟!
وإليك بعض أقوال من أخطأ في تفسير هذه الكلمة من الأشاعرة وأهل الكلام :
- قال الأستاذ أبو منصور البغدادي الأشعري في كتابه أصول الدين : ص123:
" واختلف أصحابنا في معنى الإله: فمنهم من قال إنه مشتق من الإلهية، وهي قدرته على اختراع الأعيان، وهو اختيار أبي الحسن الأشعري"
- وقال الرازي في شرح أسماء الله الحسنى (ص124):
" القول السابع: الإله من له الإلهية، وهي القدرة على الاختراع، والدليل عليه أن فرعون لما قال : " وما رب العالمين" : قال موسى في الجواب: " رب السموات والأرض" فذكر في الجواب عن السؤال الطالب لماهية الإله: القدرة على الاختراع، ولولا أن حقيقة الإلهية هي القدرة على الاختراع لم يكن هذا الجواب مطابقًا لذلك السؤال " ا.هــ
- وقال السنوسي في أم البراهين : " الإله هو المستغني عما سواه المفتقر إليه كل ما عداه." 
وهذا لا يبعد عن تفسير الإله بالقادر على الاختراع أو الخالق وكل هذا خلل، وخلل عظيم أن يضل أقوام في معنى هذه الكلمة العظيمة التي هي عنوان الإسلام !!
- وبسبب التفسيرات البعيدة عن معنى لا إله إلا الله جُهل المعنى الحقيقي للا إله إلا الله عند من يتبع هذه المدارس الفلسفية الكلامية الصوفية ووقع كثير من أتباعها في الشرك والضلال...
- فالتوحيد عند المتكلمين والأشاعرة أن توحد الله، فتقول : " هو واحد في ذاته، لا قسيم له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وواحد في صفاته لا شبيه له " ، ولو كان هذا معنى لا إله إلا الله لما أنكرت قريش على النبي صلى الله عليه وسلم دعوته ولآمنت به وصدقت؛ لأن قريشًا تقول: لا خالق إلا الله، و"لا خالق" أبلغ من كلمة "لا قادر"، لأن القادر قد يفعل وقد لا يفعل، أما الخالق؛ فقد فعل وحقق بقدرة منه، فصار فهم المشركين خيرًا من فهم هؤلاء المتكلمين, والمنتسبين للإسلام !
- أما المعنى الصحيح لكلمة "الإله" فهو: " المعبود" فيكون معنى لا إله إلا الله أي لا معبود إلا الله، ولما علم بالضرورة وجود معبودات غير الله سبحانه وتعالى لزم تقدير خبر لا النافية للجنس بلفظ يستقيم معه المعنى وهو قولنا : "بحق " فيكون المعنى الصحيح هو لا معبود بحق إلا الله، شهادة من المسلم على التوحيد وإفراده سبحانه بالعبادة، فالإله كما قال الأزهري في تهذيب اللغة : التأله التعبد.
- وأختم بقول شيخ الإسلام : " ليس المراد بالإله هو القادر على الاختراع كما ظنه من ظنه من أئمة المتكلمين، حيث ظن أن الألوهية هي القدرة على الاختراع، وأن من أقر بأن الله هو القادر على الاختراع، دون غيره فقد شهد أن لا إله إلا الله ، فإن المشركين كانوا يقرون بهذا التوحيد ، كما قال تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله) [الزمر: 38] وقال تعالى: (قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون، سيقولون لله قل أفلا تذكرون) الآيات وقال تعالى: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) ،قال ابن عباس: تسألهم، من خلق السماوات والأرض ؟ فيقولون : الله، وهم مع هذا يعبدون غيره . وهذا التوحيد، من التوحيد الواجب، لكن لا يحصل به الواجب، ولا يخلص بمجرده عن الإشراك، الذي هو أكبر الكبائر، الذي لا يغفره الله، بل لابد أن يخلص لله الدين، فلا يعبد إلا إياه ، فيكون دينه لله ، والإله ، هو المألوه ، الذي تألهه القلوب ، فهو إله بمعنى مألوه لا بمعنى آله ." ا.هـ

والله أعلم