سلسلة تبسيط معاني التوحيد (5) آثار الخطأ في معنى لا إله إلا الله!

تكلمنا فيما سبق عن خطأ البعض في معنى لا إله إلا الله وأنبه أن قولنا أن هؤلاء أخطأوا ليس معناه أنهم جميعًا على هذا الخطأ، بل فيهم من يثبت المعنى الصحيح للإله وهو" المعبود "ويثبت معنى لا إله إلا الله كما هو، ويثبت توحيد الألوهية والشرك المقابل له، ويحذر منه، ولكن وجود أئمة على هذا الخطأ وعدم إنكار هؤلاء على هؤلاء يوحي بأن المذهب غير منضبط في تقرير هذه المعاني.
- كما لا يعني القول بأنهم أخطأوا في معنى لا إله إلا الله أنهم خالفوه، أو أنهم أشركوا أو نقضوا توحيدهم وصاروا مشركين، فهذا ليس هو المقصود، فليس كل من لم يكفر تارك الصلاة لا يصلي، والجمهورعلى عدم كفر تارك الصلاة كسلاً، وليس كل من أخرج العمل من الإيمان لا يعمل! 
ولكن هذه الأخطاء مع أنها تمثل انحرافًا عن المفهوم الصحيح إلا أن لها أيضاً تأثيرًا كبيرًا في مسائل أخرى منها:
- أنها تؤثر في فهم حقيقة الدين لدى صاحبها فإن كان إمامًا متبوعًا فإنه سيقدم الدين لعامة الناس بناء على مفهومه الخاطئ!
- وأيضًا فإن هذا المفهوم الخاطئ سيؤثر بالضرورة في وضع أولويات الطرح لدى هذا الإمام، وسيتحدد المسار الذي ستهتم به الدعوة بناءً على هذا المفهوم ولنضرب لذلك مثالاً واحدًا:
- فبعض أئمة الأشاعرة لما تقرر لديهم هذا المفهوم الخاطئ لمعنى لا إله إلا الله وفسروها بأنه لا خالق إلا الله ولا قادر إلا الله ذهبوا إلى أن أول واجب على المكلف النظر، وبعضهم إلى أنه القصد إلى النظر، فذهبوا إلى تقديم هذا المعنى وجعله أوّلى المسائل بالشرح والبيان والتأليف، فما معنى النظر وما معنى القصد إلى النظر؟ وقبل ذلك ننقل كلام بعض أئمة الأشاعرة الذين قرروا هذ المعنى وكيف أنهم توافقوا مع المعتزلة في هذه المسألة إلى حد كبير وأنا أقتصد في النقل خشية الإطالة وحرصًا على تبسيط المفهوم ...
- يقول القاضي عبد الجبار المعتزلي: (إن سأل سائل فقال: ما أول ما أوجب الله عليك؟ فقل النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى؛ لأنه تعالى لا يعرف ضرورة ولا بالمشاهدة، فيجب أن نعرفه بالتفكير والنافله نظر) ا.هـ
- ويقول الجويني الأشعري : "أول ما يجب على العاقل البالغ باستكمال سن البلوغ أو الحلم شرعًا، القصد إلى النظر الصحيح..." فهل يوجد فرق بين الشاعرة والمعتزلة في هذا المعنى ؟! 
- وتأمل حكم الجويني على من مات قبل هذا النظر حيث يقول : (فمن اخترمته المنية قبل أن ينظر وله زمن يسع النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى ولم ينظر مع ارتفاع الموانع، ومات بعد زمان الإنكار فهو ملحق بالكفر، وأما لو أمضى من أول الحال قدرًا من الزمان يسع بعض النظر لكنه قصر في النظر ثم مات قبل مضي الزمان الذي يسع في مثله النظر الكامل فإن الأصح في ذلك، الحكم بكفره لموته غير عالم مع بدء التقصير منه فليلحق بالكفرة ) ا.هـ 
- ومعنى النظر والقصد إلى النظر، هو النظر إلى ما في العالم من مخلوقات والاستدلال بها على وجود الخالق وهذا أجمل تعبير يمكن أن نعبر به عما يقصده هؤلاء من النظر أو القصد إلى النظر، وإلا فبعضهم يُعقد المسائل لدرجة لا تتخيل فيذهب إلى أن النظر هو النظر في كون هذه المخلوقات حادثة وإلى أن الحدوث من خصائصها وأن من قامت به الحوادث فهو حادث ،وأنه لابد لهذه الحوادث من محدث غير حادث ...إلخ .
-وأياً كانت نتائج هذا النظر فهو غير كاف ليتوصل العبد به إلى أن هذا الخالق هو الله سبحانه وفقًا لتقرير هؤلاء المتكلمين، فضلاً أن يقف المكلف على وجوب إفراده سبحانه بالعبادة، توحيد الألوهية، فغاية ما يتوصل إليه العبد بحسب نظر المتكلمين وأدلتهم أن ثمة خالق لهذا العالم، وهذا لا يعني أنه هو الله سبحانه، فضلًا عن إثبات توحيد الألوهية واستحقاقه لصفات الجلال والكمال، ولذا فإن أدلة المتكلمين على وجود الله إن صحت تبقى قاصرة لأنها لا توجب تعين الخالق بأنه هو الله، وأنه تجب عبادة هذا الخالق بل تفرض فقط الاعتراف بأن خالقًا ما لهذا العالم وتثبت له بعض الصفات وليس في مقدماتها و نتائجها شيئًا عن تحديده ولا صفاته ولا وجوب التقرب إليه وعبادته ، فليس في أدلتهم شيئ من ذلك ..
أما أول واجب على المكلف العاقل فهو الإقرار بلا إله إلا الله والإقرار بوجوب إفراده سبحانه بالعبادة والطاعة، إذ أن وجوده سبحانه مركوز في فطر جميع الخلق، فليس علينا إلا أن نذَّكرهم بأن الله خالقهم ورازقهم وهو المستحق للعبادة وحده دون غيره دون أن نقيم ما يدعيه المتكلمون من دلائل على وجوده، بل يكفي التذكير والاستدلال بآياته على عظمته وحكمته الدالة على وجوده بالضرورة قال سبحانه: "أفي الله شك " وفي حديث معاذ لما أرسله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن قال له : "فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله " وفي رواية :"شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله " فهذا هو الواجب الذي استبدله المتكلمون بما ذكرناه ...