نقض إشكالية الإعذار بالجهل

 

الحمد لله الكريم الوهاب الغفور التواب، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا ..أما بعد :

فهذه وقفات موجزة مع كتاب "إشكالية الإعذار بالجهل" للدكتور سلطان العميري، وقد كانت في الأصل تعليقات متفرقة على شبكة التواصل، فطلب بعض الإخوان جمعها ليسهل الاستفادة منها، فلبيت الطلب وجمعتها وأضفت إليها ونقصت منها، فما كان فيها من صواب فمن الله وحده، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان، والله أسأل أن يجعلها خالصة لوجهه، وأن يعفو عنا جميعًا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وبادئ ذي بدء ..فليس الخلاف مع الدكتور العميري في خصوص مسألة العذر بالجهل، فإني قد نقلت في غير موضع كلام أهل العلم - ممن يعذرون ومن لا يعذرون- وذكرت أنها مسألة خلافية اجتهادية لا يُشدد فيها النكير على المخالف، وبينت حدود ذلك في موضعه، والأمر فيها بين الخطأ والصواب، لا البدعة والسنة، أو الكفر والإيمان كما يذهب إليه كثير من الغلاة ومن سلك طريقهم.


حقيقة الخلاف مع الدكتور سلطان العميري:
الخلاف مع د.سلطان هو في مسائل وأصول عقدية أوردها في سياق تأصيله لمسألة العذر بالجهل، وأراد تخريج المسألة عليها، فأخطأ في تقريرها، بل حرَّفها ونقضها لتتوافق مع مسلكه، هذا هو أصل الخلاف، ولو أنه اقتصر في بحث المسألة على الأدلة الشرعية، وحصر الخلاف حول دلالتها، لما شُدِدَ عليه في الإنكار، فقد قال بالعذر بعض مشايخنا، وما أُنكر عليهم، ولا اتُهم أحدهم بالغلو أو الإرجاء، فالمسألة ليست إجماعية من أي طرف، بل كل طرف لديه جملة من أهل العلم يقولون بقوله، لا سيما المعاصرين، ولكن البعض يتخذ من المسألة سبيلاً يقرر من خلاله أصولًا مخالفة لمنهج السنة، فطرف إلى غلو، وطرف إلى تفريط، والدكتور العميري يمثل طرف التفريط، حيث أخطأ في سياق تقرير هذه المسألة في مفهوم الإيمان والكفر، ومسألة التلازم بين الظاهر والباطن، ونسب إلى السلف أقولاً منكرة، ووصل به الأمر إلى تقريرات لم يقررها الجهم بن صفوان، فهدم قواعد مقررة، كالحكم بالظاهر، وإمكانية العلم، وتقسيم مسائل الدين إلى معلومة من الدين بالضرورة، وإلى غير معلومة بالضرورة، وإلى ظاهرة وخفية، كل ذلك بشبهات واجتراءات لم يسبق إليها، وقد بينت جلَّ هذه الأخطاء في هذا المختصر.. والله الهادي.

- ومما يجدر التنبيه عليه أيضًا أن كتاب "إشكالية الإعذار بالجهل" برغم ما أحيط به من هالة، وما أخذ من تزكيات وثناء، لم يأت بخصوص هذه المسألة بجديد عما هو مألوف في الكتب التي سبقته، فلم يأت بأدلة جديدة، أو استنباطات مميزة، أو تناول مميز لأدلة مخالفيه، بل على العكس من ذلك؛ نقض أهم أدلة العذر بالجهل؛ كقوله تعالى: "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا" فقرر أنه لا دلالة فيه على العذر بالجهل، كما نقض الاحتجاج بكثير من الأحاديث التي هي عمدة المسألة عند من يقول بالعذر، ومن ثم اعتمد نفس المقدمات وذات الأدلة التي اعتمد عليها غيره، وتوصل إلى نفس النتائج التي توصلوا إليها، وهو القول بعموم العذر بالجهل في أصول الدين وفروعه، والادعاء بأن هذا مذهب السلف؛ ولعل ما يميز الكتاب هو أسلوب التفخيم والألفاظ الرنانة الذي كسا بها المؤلف بعض عباراته، وزخرف بها بعض كلماته، مثل التأصيل المنهجي والدراسة المنهجية والتحقيق العلمي، وغير ذلك، مما قد يغترّ به بعض من لا دراية له.


- وقد اجتهدت قدر الإمكان أن يكون النقد مختصرًا، ومركزًا على الأخطاء الظاهرة علميًا أو منهجيًا أو استدلاليًا، ولم أستوعب جميع الأخطاء، وقد وقفت على ما يزيد على المائة خطأ، ذكرت فقط ما يقارب الخمسين، ولعلي أستكمل البقية فيما بعد إن شاء الله.

فأقول وبالله التوفيق :

يُروى أن أحد الشعراء مدح مليكه بقوله:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار*** فاحكم فأنت الواحد القهار
فقال أحد الحاضرين: "أول القصيدة كفر".
وأقتبس هذا المعنى في التعليق على ما بدأ به المؤلف، وهو خلل منهجي استفتح به العميري كتابه!

حيث صدَّر كتابه بأقوال أهل العلم قبل تقرير المسألة وذكر الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع، وهذا خلاف الأبحاث المنهجية المعروفة، بل على خلاف المنهج السلفي المبني على تقديم الأدلة الشرعية على كلام أهل العلم، فصنيع المؤلف يعد أول وجوه الخلل المنهجي في الكتاب، فإذا كنا بصدد دراسة علمية لمسألة شائكة كهذه، وقد اختلف فيها العلماء وانقسموا، فذكر أقوال العلماء وتقديمه على الأدلة الشرعية لن يحل الإشكال، فكل مسألة يحصل فيها نزاع بين الناس فإن علاجها هو ما أمر الله به "وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله " وقوله : " فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً "، فرد النزاع إلى الكتاب والسنة وتقديمها على أقوال أهل العلم هو الواجب لا غيره!
* وقد نعى الباحث في مقال له باسم "المؤثرات النفسية" على من يتهمونه بأنه يقلد أقوال العلماء ويقدمها على الأدلة الشرعية، ثم هو يضرب لهم المثل الحي في ذلك!

ولعل الباحث أراد أن يستقر في ذهن القارئ ابتداءً أن هذه المسألة محسومة لدى كبارالعلماء والأئمة، وأنهم على القول بعموم العذر بالجهل، وهو يعلم أن البعض إذا تقرر لديه ذلك، فلن يتعب نفسه في تتبع التفاصيل، ولا النظر في الأدلة المعروضة أمامه.


- المأخذ الثاني وهو أنكى من الأول وهو زعمه أنه سيحرر أقوال من ذكرهم من العلماء، وقد ادعى في صفحة 13، أن الجديد الذي أضافه في المسألة يرتكز على ثلاث أمور محورية:
الأمر الأول: (.. تحرير مقالات العلماء وضبط آرائهم عن طريق جمع متفرقها وفهمها مع استحضار المعرفية والشرعية ) ا.هـ
فلم لم يلتزم بذلك، ولم يحرر أيًا من أقوال من ذكرهم!
ولنتأمل تحريره لمذهب ابن تيمية رحمه الله: ففي موضع تحرير مذهبه كان المفروض أن يجمع أقواله المتعارضة أو المشتبه ويضعها في سياق واحد، ويرد على ما يشتبه منها، مما يحتج به مخالفوه، ولكنه اقتصر فقط على نقل ما يؤيد مذهبه من تلك الأقوال، دون أن ينقل ولو نقلاً واحدًا مما يحتج به المخالف!
فمن مجموع (198) نقل عن ابن تيمية أوردها في كتابه - نقلاً وعزوا- لم يذكر في هذا الموضع - موضع التحرير للمذهب - سوى (17) نقلاً فقط ،وهذه السبعة عشر جميعها مما يعضد رؤيته في الإعذار بالجهل ! وبغض النظر عن إفادتها للعذر من عدمه..فهل يصح أن يسمى صنيعه تحريرًا ؟!
- وهذا السلوك قد انتهجه مع جميع من ذكر من العلماء، فهل أضاف الباحث إلى المسألة جديدًا ؟!

- ومثال آخر على ذلك، هو تحريره لمذهب ابن القيم رحمه الله !
فقد حرر الباحث-أو بالأحرى ادعى تحرير - مذهب ابن القيم من خلال نقلين يتيمين، وفي صفحة ونصف ! ولم يذكر ولو نقلاً واحدًا مما يحتج به مخالفوه !
ولا أدري هل لفظ "التحرير" مقصود من الباحث أم له معنى جديد عنده؟!
فمقتضى التحرير كما هو معلوم وكما أشار هو في مقدمة كتابه : جمع الأقوال المتعارضة في موضع واحد والنظر فيها جملة وفي سياقها والتوفيق بينها، والخروج برؤية محددة لمذهب العالم بناء على استقراء أقواله وتوجيها ورد الشبهات عنها ..
كل هذا لم يقم به الباحث!
فإذا تأملنا هذين النقلين وجدناهما صريحين في غير محل النزاع وقد صرح ابن القيم رحمه الله في أول كلامه أنه في المبتدع والفاسق وهذا ليس هو محل النزاع !، وهذا يعني أن كلام ابن القيم ليس في الشرك الأكبر..
والعجيب أن ابن القيم رحمه الله قد نص صراحة أن كلامه في أهل البدع، وعنون لذلك. ليس هذا فحسب بل إنه قسم أهل البدع إلى قسمين :
- قسم يَكفُر بمذهبه فحكم بكفره ولم يتكلم في عذره ..
- وقسم لا يَكفر بمذهبه ففصل فيه وتكلم في عذره على ثلاث حالات .
فجاء الباحث واحتج بكلامه في القسم الذي لا يكْفُر ببدعته على العذر بالجهل في الشرك الأكبر!
فماذا يسمى هذا الصنيع ؟!

وهذان هما النقلان :
- النقل الأول: ( من كفر بمذهبه - كمن ينكر حدوث العالم، وحشر الأجساد، وعلم الرب تعالى بجميع الكائنات، وأنه فاعل بمشيئته وإرادته - فلا تقبل شهادته، لأنه على غير الإسلام،( انتبه) فأما أهل البدع الموافقون لأهل الإسلام، ولكنهم مخالفون في بعض الأصول - كالرافضة والقدرية والجهمية وغلاة المرجئة ونحوهم.فهؤلاء أقسام...) ا.هـ وبقية النقل في الصفحة المذكورة من كتاب المؤلف
- النقل الثاني :( الفاسق باعتقاده، إذا كان متحفظا في دينه، فإن شهادته مقبولة وإن حكمنا بفسقه،كأهل البدع والأهواء الذين لا نكفرهم، كالرافضة والخوارج والمعتزلة، ونحوهم، هذا منصوص الأئمة.) ا.هـ
فنحن أمام ألفاظ صريحة ( الفاسق - المبتدع - لا يكفر ببدعته ). ألفاظ يصعب تحويرها وتأويلها على غير الظاهر من دلالتها، ومع ذلك نجد الباحث يحتج بها على العذر في الشرك الأكبر، بل ويدَّعي أنه بذلك قد حرر مذهب ابن القيم في المسألة !!
أين أقوال ابن القيم الأخرى التي يحتج بها مخالفوه ؟ أين أقوال ابن تيمية الأخرى ؟!
كيف يسمى هذا تحريرًا؟
لماذا لم تُسردها جميعًا في موضع تحرير مذهبه، وتوجه في سياق واحد ليقف القارئ على الحقيقة؟
وسيأتي الكلام عن تحرير مذهب ابن حزم إن شاء الله .

- واسترسالاً في نفس الخلل المنهجي فقد بدأ الباحث في صفحة: 82 وإلى صفحة:111 في عرض أدلة العذر بالجهل، فبدأ بذكر النصوص الدالة على العذر بالخطأ، فقال في صفحة 84: ( والخطأ هنا يشمل الجهل -بالضرورة- لأن حقيقة المخطئ هو كل من خالف الحق بلا قصد، والخطأ في لغة العرب ضد العمد وهو عدم إصابة الحق بلا قصد والجاهل كذلك ) ا.هـ
فهل الجهل مرادفٌ للخطأ، وهل عدمت الأدلة على العذر بالجهل أصالة فجئت بأدلة العذر بالخطأ، أم أنه أدلته لا تقوى على الدلالة فاستدعى أدلة العذر بالخطأ؟
· والرد على هذا الخل وهو أن يقال:
· أولا: إن الخطأ ليس مرادفًا للجهل، وإن اشتركا في بعض صورهما، فليس كل جهل خطأ، وليس كل خطأ جهل.
· وثانيًا: أن الخطأ فيه ما يعذر به وما لا يعذر، فتصدير المسألة إلى العذر بالخطأ خلل، لأنه خروج عن محل النزاع، والدخول في مسألة أخرى.
قال شيخ الإسلام : ( ولأن العذر بالخطأ حكم شرعي فكما أن الذنوب تنقسم إلى كبائر وصغائر والواجبات تنقسم إلى أركان وواجبات ليست أركانا: فكذلك الخطأ ينقسم إلى مغفور وغير مغفور) ا.هـ 12/496 المجموع
وقال ابن رشد الحفيد : ( وبالجملة فالخطأ في الشرع على ضربين إما خطأ يعذر فيه من هو من أهل النظر في ذلك الشيء الذي وقع فيه الخطأ كما يعذر الطبيب الماهر إذا أخطأ في الطب والحاكم الماهر إذا أخطأ في الحكم ولا يعذر فيه من ليس من أهل ذلك الشأن ،وإما خطأ ليس يعذر فيه أحد من الناس بل إن وقع في مبادئ الشريعة فهو كفر)ا.هـ
فإذا كان كل منهما فيه ما يعذر به وما لا يعذر. فأيهما أولى بالبحث والتحرير: الجهل التي هي موضوع البحث ومحل النزاع، أم استدعاء الخطأ والقياس عليه ؟!
ثم إن الخطأ نوعان:
· خطأ مقابل الصواب .
· خطأ مقابل العمد .
أما الخطأ الذي ينتفي فيه القصد إلى الفعل فهذا معذور صاحبه باتفاق..وهو ما جاءت فيه الآيات والأحاديث..فمن لم يقصد فعله لا يحاسب عليه، إلا في الضمان وغيره..لكن الإثم مرفوع عنه.
أما الخطأ المقابل للصواب فلا يمكن القول بأن المخطئ معذور فيه بإطلاق حتى وإن توصل بخطئه إلى إنكار الرب سبحانه أو الإشراك به في عبادته النجوم والكواكب والأوثان، والقول بأن المسيح ابن الله أو أنه ثالث ثلاثة،
فهذا لم يقل به أحد من السلف أو الأئمة، بل صرح الإمام ابن مندة في كتابه التوحيد أن المخطئ كالمعاند في التوحيد، فقال : (ذكر الدليل على أن المجتهد المخطئ في معرفة الله ,عز وجل ووحدانيته كالمعاند..) ا.هـ 1/314 وكذا قال الطبري والزجاج وغيرهم، لم يخالف في ذلك إلا أهل البدع كالجاحظ حيث قال :
"أن مخالف ملة الإسلام، إذا نظر فعجز عن إدراك الحق، فهو معذور غير آثم" ا.هـ فأنكر عليه عامة أهل العلم ورموه عن قوس واحدة حتى قال ابن قدامة في الروضة : ( أما ما ذهب إليه الجاحظ فباطل يقيناً، وكفر بالله وردّ عليه وعلى رسوله..) ا.هـ
فحكم على قوله بالبطلان، بل جعله كفرًا بالله ورسوله وردًا لأحكامها !!
والشاهد أن الخطأ الذي هو ضد الصواب يوصف به كل مخالف عن علم أو جهل، يصح وصف عمله بالخطأ، وهذا لا يمكن إطلاق القول بأنه عذر كما سبق.
· وإذا لزم تحرير معنى الخطأ وذكر معانيه وحدوده فقد انتقلنا حينئذ إلى مسألة أخرى وتركنا "العذر بالجهل "، وهذا في حد ذاته دليل على ضعف المنهجية البحثية التي اتبعها الباحث في طرح أدلته !

- ثم أورد الباحث في النوع الثاني والثالث، خمسة من الأدلة الشرعية في تقرير مذهبه في العذر بالجهل، وليس فيما أورده ما يعتبر نصًا صريحًا في المسألة، فليس فيها تصريح بأن الجهل عذر أو أن الجاهل معذور، وإنما هي استنباطات، مختلفٌ حول دلالتها وقوتها في إفادة العموم، وما يهمنا هو التركيز على أنها ليست نصوصًا صريحة في المسألة، لا أدعي أن دلالة "النص" وحدها هي المعتبرة دون غيرها من أوجه الدلالات؛ ولكن دلالة النص في محل النزاع هي الوحيدة التي يمكن أن تحسم الخلاف، فالنص الصريح هو ما يمكن حمل المخالف على قبوله والتسليم به، إذ أنه لا يحتمل، أما الاستنباط وما دون النص من الدلالات فمحل اجتهاد واختلاف كما هو معروف!
ولذا لم يُختلف في عذر الإكراه أو الخطأ أو النسيان، حيث النصوص صريحة بإثباتها .. وقد يُختلف حول حدودها وبعض ضوابطها، وأحيانا في بعض صورها بناء على نصوص أخرى، لكن أصل الإعذار بها لا يمكن أن يخالف فيه منتسب إلى السنة ..لأنه النص فيها قاطع بالعذر.
وهذا هو الفارق بين هذه الأعذار وبين الجهل، إذ ليس في الجهل نص صريح!

- وهذه هي الأدلة التي أوردها الباحث نتناول بعضها بالتعليق ونرجئ الآخر على مقام آخر:
الأول : حديث الرجل الذي أمر أهله أن يحرقوه إذا هو مات .
الثاني : قصة قوم موسى عليه السلام مع قومه.
الثالث : حديث المقداد رضي الله عنه وذات أنواط.
الرابع : حديث حذيفة في دروس الإسلام آخر الزمان.
الخامس: حديث الأسود بن سريع في احتجاج الأربعة على الله يوم القيامة.
· هذه الآثار مع جملة من الآيات العامة هو ما اعتمد عليها الباحث في بحثه، وبمقارنتها مع ما ورد في كتب أخرى تذهب إلى العذر بالجهل، يعد هذا البحث من أضعف ما كُتِب !
كل هذه الآثار ليس فيها نص صريح على العذر بالجهل، ولا يخلو واحد منها من خلاف، إما من جهة دلالتها،أو من جهة إفادتها العموم.
- فالباحث في إيراده لهذه النصوص لم يأت بجديد فهي مطروحة ممن قبله وأضعافها، ولم يستطع أن يحسم الأمر على وجه يُسلَّم له فيه، بل أبقى المسألة على نفس حالة الاستقطاب التي كانت عليه من قبل!

- وفي حديث الرجل الذي قال إذا أنا مت فاحرقوني ..فلئن قدر الله علي ليعذبني" أطال الباحث فيه الكلام، ليظهر أن الرجل كان جاهلاً بصفة القدرة، وأن الجهل بهذه الصفة يعتبر جهلاً بربوبية الموصوف، وأن هذا كفر أكبر، ولكنه عذر بجهله.. وهذا كله خطأ !
إذ أن هذا الرجل لم يكن منكراً لأصل الصفة ولا منكراً لبعثه بعد الموت، بل هو مؤمن بذلك كله بلا ريب ،ولو كان غير مؤمن بالقدرة لما أمر أهله بتحريقه أصلاً، فإن العاجز لا يقدر على التعذيب ابتداءً!، فلماذا يأمر بتحريقه بعد موته؟! فالتحريق والتذرية في ذاته دليل على إيمانه بأصل القدرة ولو على سبيل الإجمال، وهذا القدر كاف في إيمانه ،وما زاد يمكن الإعذار فيه إذا هو من الأمور الخفية، وهذا ما قرره شيخ الإسلام صراحة حيث قال : (فإن الإيمان بقدرة الله على كل شيء ومعاد الأبدان من أصول الإيمان ومع هذا فهذا لما كان مؤمنا بالله وأمره ونهيه وكان إيمانه بالقدرة والمعاد ((مجملا)) فظن أن تحريقه يمنع ذلك، فعل ذلك، ومعلوم أنه لو كان قد بلغه من العلم أن الله يعيده ((وإن حرق)) كما بلغه أنه يعيد الأبدان لم يفعل ذلك.) ا.هـ بغية المرتاد

فأثبت أن الرجل كان مؤمنًا بالقدرة والبعث إيمانًا مجملاً لكنه ظن جهلاً أن الصورة التي سيكون عليها بعد تحريقه وتذريته مما يخرج عن قدرته سبحانه، بمعنى أنه نفى كمال القدرة لا أصلها، وهذه صورة خفية تخفى على الكثير حتى قالت عائشة رضي الله عنها : "أوكل ما يكتم الناس الله يعلمه"، وهذا الحديث كثيرًا ما يحتج به شيخ الإسلام على إعذار أصحاب المقالات من أهل البدع، الذين تأولوا الصفات بقصد تنزيه الرب سبحانه عن مشابهة المخلوقين، فجعل مقالاتهم من المسائل الخفية التي يعذر فيها، إذ ليس منهم من ينكر الصفات رأسًا، وإنما يتأولونها على ما يعتقدون فيه التنزيه، وعلى وجه يؤول إلى نفي هذه الصفات، وهذا هو الحاصل في مقالات أهل الكلام من الأشاعرة والمعتزلة والماتريدية وغيرهم ،فتؤول أقوالهم إلى تكذيب النصوص وردها ..
فما يقال في إكفار هؤلاء هو من باب الكفر بالمآل ولازم المذهب، الذي يشترط فيه العلم بلازم المذهب وتجب فيه إقامة الحجة وكشف الشبهة، لأن المسألة على هذا الوجه من المسائل الخفية لا الظاهرة .. وليس هذا موضع تفصيل ذلك، وإنما أردت التنبيه على أن الرجل لم يكن منكرًا لصفة القدرة كما ادعى الباحث !

· أما حديث حذيفة في آخر الزمان وتعليق المؤلف عليه، فإن إيراده ضمن أدلة الإعذار بالجهل في "الشرك الأكبر" مناف لأصول البحث والاستدلال!
فالحديث ليس فيه إشارة أنهم قد وقعوا في الشرك، ففي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، وليسرى على كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية ، وتبقى طوائف من الناس، الشيخ الكبير والعجوز، يقولون : أدركنا آباءنا على هذه الكلمة : لا إله إلا الله، وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة، فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه ثلاثا، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة، فقال: " يا صلة تنجيهم من النار -ثلاثاً-" ا.هـ
فهؤلاء قوم دُرس الإسلام لديهم وغابت عنهم الشرائع " وعجزوا" عن تعلم العلم، فبقوا على قول لا إله إلا الله حتى ماتوا فقال حذيفة.. تنجيهم من النار ..فما المعنى الذي يفيده الحديث في العذر الجهل، وفي الشرك الأكبر؟! ولكن الباحث قد قلب الحديث كله في العذر بالجهل وفي والشرك الأكبر، فأشار إلى إمكان التقصير والتفريط من هؤلاء، وهذا مناف لدلالات الألفاظ الواردة في الحديث، وأعظم من ذلك أنه استنبط وقوعهم في الشرك الأكبر، ثم عذرهم بالجهل لقول حذيفة تنجيهم من النار!

- "كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا"
من أخطر المواضع في الكتاب، هو ما أورده الباحث في صفحة 111 من كتابه، حيث عدا على أظهر أدلة القائلين بالعذر بالجهل فطعن في دلالتها، وزعم أنها لا صلة لها بالعذر بالجهل، وأنها لا تدل على المعنى التام للعذر، بل اتهم أئمة وعلماء بعدم الدقة في استدلالهم بهذه النصوص، مع أنه يحتج بهم ويضمهم إلى صفه وهم يحتجون بهذه النصوص بل هي أساس قولهم، فتأمل التناقض نقض أدلتهم واحتج بهم!
فهذا الموضع هو أظهر دليل على اضطراب الباحث وعدم تحقيقه لهذه المسألة، إذ أن ما اعترض عليه من أدلة، هو من جنس ما استدل هو به! بل ما نقضه أقوى منه!
- وقد أورد جملة من الآيات والأحاديث زعم أن بعضها ليس له علاقة بمسألة العذر بالجهل، وبعضها قال عنه لا يصلح للدلالة، وبعضها زعم أن دلالته ليست "تامة" على العذر بالجهل .
- وسأعرض هنا لحديث واحد، حكم الباحث عليه بأنه من الأدلة الغير متعلقة بالعذر بالجهل أصلاَ ، وهو حديث عائشة رضي الله عنها حين قالت: "أوكل ما يكتم الناس الله يعلمه ؟"
فقد بدأ به الباحث وقرر بأنه لا تعلق له بمسألة العذر بالجهل !!
فما ذكره في هذا الحديث يلزمه في بعض الأدلة التي اعتمدها لاسيما حديث الرجل الذي أمر أهله أن يحرقوه !

وحيث أن الباحث قد اعتمد على كلام شيخ الإسلام عند احتجاجه بحديث "إذا أنا مت فاحرقوني" فقد جمع رحمه الله بين الحديثين في غير ما موضع حين احتج على العذر بالجهل، بل صرح أن دلالة هذا الحديث من جنس دلالة الحديث الآخر!
- قال شيخ الإسلام بعد ما أورد هذا الحديث وأطال النفس في تقريره : ( ومن تتبع الأحاديث الصحيحة وجد فيها من هذا "الجنس " ما يوافقه كما روى مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت:" ألا أحدثكم عني وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا: بلى قالت: لما كانت ليلتي التي النبي صلى الله عليه وسلم فيها عندي انقلب فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعها عند رجليه وبسط طرف إزاره...وفيه قول عائشة : قلت مهما يكتم الناس يعلمه الله قال: نعم ) ا.هـ 11/412 المجموع
ثم قال : "فهذه عائشة أم المؤمنين: سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - هل يعلم الله كل ما يكتم الناس؟ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم نعم وهذا يدل على أنها لم تكن تعلم ذلك ولم تكن قبل معرفتها بأن الله عالم بكل شيء يكتمه الناس كافرة وإن كان الإقرار بذلك" ا.هـ
فها هو شيخ الإسلام يصرح أن هذا الحديث من جنس دلالة هذه الأدلة ، بل واستدل به على نفس المعنى، فإن كان حديث عائشة لا دخل له بالعذر بالجهل، فحديث الرجل الذي أمر أهله أن يحرقوه أولى، أرأيت كيف يبحث العنز عن حتفه بظلفه؟!
فعلى الباحث أن يترك كلام شيخ الإسلام بالكلية في الحديثين لأنه استدلال بما لا دلالة له على العذر بالجهل في نظر الباحث!
وعلى الباحث أيضًا أن يترك كلام شيخ الإسلام بالكلية في الحديثين لأنه استدلال بما لا دلالة له على العذر بالجهل في نظر الباحث!

- تناقض صارخ !!
وفي نفس السياق أوقع الباحث نفسه في تناقض صارخ حين اعترض على الاستدلال بقوله تعالى: ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) على العذر بالجهل، بدعوى أن هذه الآية لا تدل على تمام العذر بالجهل، بل تقتصر دلالتها في العذر على رفع العقوبة فقط!
فقال في صفحة 117 :" الأمر الثالث : ألا يكون النص دالا على "تمام" القول بالعذر بالجهل وإنما يدل على جزء منه فقط ويدخل في هذه النصوص الواردة في "نفي العقوبة والعذاب " عن الجاهل كقوله تعالى : "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ..." ا.هـ
ثم قال: ( وقد توارد عدد كبير من العلماء كابن تيمية وغيره على الاستدلال بهذا النوع من النصوص على الإعذار بالجهل في مسائل الشرك وغيرها، ولكن الاستدلال بهذا النوع غير دقيق، لأن الإعذار في تلك النصوص ونحوها متوجه نحو العقوبة ...) ا.هـ وهل قال المخالف عن منهج ابن تيمية في العذر غير ذلك؟!
وهذا الكلام فضلاً عن كونه غير صحيح، إلا أنه قد أوقع الباحث في تناقض صارخ، إذ أنه قد نقل عن ابن تيمية نقولات اعتمد فيها على هذا الدليل، وذلك في صفحة : 48 حيث احتج بقول ابن تيمية : ( ومنهم من يطلب من الميت ما يطلب من الله، فيقول: اغفر لي، وارزقني، وانصرني، ونحو ذلك كما يقول المصلي في صلاته لله تعالى، إلى أمثال هذه الأمور التي لا يشك من عرف دين الإسلام أنها مخالفة لدين المرسلين أجمعين، فإنها من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، بل من الشرك الذي قاتل عليه الرسول صلى الله عليه وسلم المشركين، وأن أصحابها إن كانوا يعذرون بالجهل، وأن الحجة لم تقم عليهم، كما يعذر من لم يبعث إليه رسول، كما قال تعالى: "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا" وإلا كانوا مستحقين من عقوبة الدنيا والآخرة ما يستحقه أمثالهم من المشركين ) ا.هـ
بل إن هذا الاعتراض يكاد يهدم كتاب الباحث بالكلية؛ إذ أن هذه الآية هي عمدة جميع من يقول بالعذر بالجهل، يذكرونها في مقدمة أدلتهم كأقوى دليل لديهم، فغذا كان أقوى دليل على العذر يدل بشهادة المؤلف على رفع العقوبة فقط فقد صحح المؤلف قول مخالفه، فتأمل كيف ينقض الباحث بحثه مرة أخرى!
وتأمل كيف تجاسر واتهم من استدل بهذه الآية بعدم الدقة العلمية، وكان ممن انتقدهم شيخ الإسلام نفسه .. فمن أولى بهذه التهمة ؟!
فانظر إلى حجم الاضطراب !

مثال آخر على تناقض الباحث في كتابه :
وقع فيه الباحث في معرض تحريره لمذهب ابن حزم في العذر بالجهل، حيث نقل عنه في ذلك عدة نقولات يدلل بها على أن مذهبه هو عموم العذر بالجهل فقال في صفحة 39 :
( ومما يدل على ذلك - أي على أنه يعذر بالجهل في الشرك الأكبر - تطبيقات ابن حزم العملية :فإنه توسع كثيرا في الإعذار بالجهل كما سبق نقل كلامه، بل عذر في مسائل لا يعذر فيها أحد كإعذاره من استهزأ بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم إن كان جاهلا حيث يقول : " وصح بالنص أن كل من استهزأ بالله تعالى أو بملك من الملائكة أو بنبي من الأنبياء عليهم السلام أو بآية من القرآن أو بفريضة من فرائض الدين فهي كلها آيات الله تعالى بعد بلوغ الحجة إليه فهو كافر ) ا.هـ
ثم قال : ( وظاهر قوله المتبادر أنه يعد الجهل عذرًا في الاستهزاء بالله ) ا.هـ
فجعل هذا النقل من التطبيقات العملية على العذر بالجهل عند ابن حزم، واستدل به على أنه يعذر بالجهل في الشرك الأكبر فقال : (والرأي المتحصل من النقل السابق أن ابن حزم ممن يعذر بالجهل في الشرك الأكبر ) ا.هـ
فاستدل بإعذاره في الاستهزاء على إعذاره في الشرك قياسًا، مع أن الباحث نفسه يفرق بين كفر الساب وكفر المشرك، ومع أن ابن حزم يمنع القياس أصلاً .. ..ولكنها الضرورات !
وبعد ما تشبع من الاستدلال بهذا النقل على الوجه السابق إذا به في الصفحة التي تليها ينقض ذلك كله ويقرر أنه من التقريرات الخاطئة عند ابن حزم!
فيقول في صفحة 40 : ( ومن تلك التقريرات -أي الخاطئة -إعذاره بالجهل في مسائل لا يتصور فيها الجهل أصلاً كإعذاره بالجهل في الاستهزاء بالله ورسوله..) ا.هـ
فإذا كان ذلك من التقريرات الخاطئة، فكيف يسوغ لك القياس عليه، وكيف تورده مورد الاحتجاج به ؟!
- و فهم الباحث لهذا النقل غير صحيح؛ ومن يراجع النقل سيجد أن قول ابن حزم : ( بعد بلوغ الحجة ) عائد على أقرب مذكور، وهو الاستهزاء بفريضة من فرائض الله، وهذا لا يثبت إلا بعد علمه أن هذه فريضة من فرائض الله، فاشتراط إقامة الحجة على ذلك لا شيء فيه، وهذا يختلف عن السب والاستهزاء بالله سبحانه وتعالى الذي لا يعذر فيه ابن حزم بالجهل، ودليل ذلك أنه رحمه الله قد ذكر كفر المستهزئ بالله ورسوله قبل هذا النقل بسطرين فقال :( وقال تعالى "قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم" فهؤلاء كلهم كفار بالنص ) ا.هـ، فأطلق القول بكونهم كفارًا ولم يذكر اشتراط الحجة .وكذلك فعل في غير هذا الموضع في نفس الآية .. فالمشكلة في فهم الباحث لكلام ابن حزم وإلا فإن كلام ابن حزم رحمه الله مستقيم لا إشكال فيه.
- واستطراداً على ذكر ابن حزم رحمه الله فهذه إشارة سريعة إلى ما حدث من خلل في تحرير مذهبه من الباحث....
- فجدير بالذكر أن محل النزاع في العذر بالجهل هو الشرك الأكبر، ولما لم يظفر الباحث بنقل صريح عن ابن حزم في ذلك ،قام بإجراء قياس بين أقواله، فقال إذا كان ابن حزم يعذر من وقع في مخالفات كبيرة بالجهل، كمن يقول بأن الله جسم، فإنه يعذر بلا شك في الشرك الأكبر! لذا تجده قد حاول إقحام لفظ الشرك بين هذه المخالفات،بأساليب مختلفة ،تارة بحشرها فيها بصورة مباشرة، وتارة بالقياس عليها بدعوى أنها مخالفات كبيرة!
فقال في صفحة 38 ( إنه - أي ابن حزم - قرر الإعذار بالجهل في مخالفات كبيرة سواء في التوحيد أو في أبواب العبادات الأخرى ومن تلك القضايا القول بالحلول والاعتراض على الرسول ) ا.هـ
ثم اضطر لنقل مالا يتفق معه وهو قول ابن حزم بالعذر بالجهل في الاستهزاء بالله ورسوله ،ليستنبط منه ويقيس عليه أنه يعذر بالجهل في الشرك الأكبر وقد سبق التعليق على ذلك..
وما نقله عن ابن حزم من أقوال لا تخرج في الجملة عن باب إكفار المتأولين، وهذا باب يختلف عن باب الشرك والنواقض المكفرة، فإكفار المتأولين من باب كفر اللازم والمآل، وهذه من المسائل الخفية الدقيقة لا الظاهرة الجلية، ويكفي مثلاً أن يقول ابن حزم في النقل الأول الذي ذكره الباحث في صفحة :37 " فهو ما لم تقم عليه الحجة معذور مأجور ) ا.هـ فهل يقال فيمن يشرك بربه أنه معذور مأجور ؟!
· وما بعده أيضاً في نفس الباب ،قال ابن حزم بعدها في نهاية الفصل :
( قال أبو محمد فصح بما قلنا أن كل من كان على غير الإسلام وقد بلغه أمر الإسلام فهو كافر ومن تأول من أهل الإسلام فأخطأ فإن كان لم تقم عليه الحجة ولا تبين له الحق فهو معذور مأجور أجراً واحداً لطلبه الحق وقصده إليه مغفور له خطؤه إذ لم يتعمده لقول الله تعالى "وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم" وإن كان مصيبا فله أجران أجر لإصابته وأجر آخر لطلبه إياه... ) ا.هـ الفصل 3/144
- فقوله : ( ومن تأول من أهل الإسلام فأخطأ فإن كان لم تقم عليه الحجة ولا تبين له الحق فهو معذور مأجور أجراً واحداً لطلبه الحق وقصده إليه مغفور له خطؤه) ،واضح أن كلامه في المتأول من أهل الاجتهاد لا المشرك بربه في عبادته ...
والباحث يعلم يقينًا أن مخالفه لا يقره على توجيهه لهذه النقولات ولذا قال في صفحة 39 : ( وقد حاول بعض من لا يعذر بالجهل في مسائل الشرك أن يجعل ابن حزم ممن يقول بقوله ...وحمل نصوصه التي فيها التنصيص على الإعذار بالجهل على أنه يقصد المتأولين من المسلمين في مسائل الصفات) ا.هـ ولكنه دفع هذا الاعتراض بالقول أن كلام ابن حزم عام وشامل!
وهذا الرد مرفوض من الباحث لما فيه من إجمال وإنشاء يتنافى مع الموضوعية التي يتطلبها البحث العلمي !
· فابن حزم رحمه الله له الكثير من النقولات المخالفة لهذا التقرير، وهي معروفة،ولم يوردها الباحث في موضع تحرير مذهبه كما فعل مع ابن تيمية وابن القيم، بل اقتصر على نقل ما يؤيد رأيه في هذا الموضع ،في مخالفة صريحة للموضوعية والمنهجية!
والعجيب من الباحث أنه إذا أورد أقوال ابن حزم التي تتعارض مع قوله بالعذر بالجهل في ثنايا بحثه، ردها إلى موضع تحرير مذهبه في بداية الكتاب، وحاكمها إليه، وهو لم ينقل فيه إلا ما يوافقه، فأي تحقيق هذا الذي يدعيه الباحث ؟!
يقول في صفحة :224 :"وهذا مخالف لتقريرات ابن حزم التي فيها العذر بالجهل "!
فإذا كانت هذه الأقوال مخالفة لتقريراته وهي أقواله،فكيف حررت مذهبه بدونها ؟!

- تدليس واضح!!
- ومما أعتبره تدليسًا واضحًا وبترًا متعمدًا في نقولات الباحث عن أهل العلم ما جاء في صفحة 48 من كتابه : حيث بتر الباحث كلام ابن تيمية رحمه الله في هذا النقل، فاقتصر فيه على ما له وترك ما يفسره ويبين مقصوده.
قال شيخ الإسلام : ( ومنهم من يطلب من الميت ما يطلب من الله، فيقول: اغفر لي، وارزقني، وانصرني، ونحو ذلك كما يقول المصلي في صلاته لله تعالى، إلى أمثال هذه الأمور التي لا يشك من عرف دين الإسلام أنها مخالفة لدين المرسلين أجمعين، فإنها من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، بل من الشرك الذي قاتل عليه الرسول صلى الله عليه وسلم المشركين، وأن أصحابها إن كانوا يعذرون بالجهل، وأن الحجة لم تقم عليهم، كما يعذر من لم يبعث إليه رسول، كما قال تعالى: "وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا" وإلا كانوا مستحقين من عقوبة الدنيا والآخرة ما يستحقه أمثالهم من المشركين) ا.هـ قاعدة عظيمة 1/70 ..
إلى هنا اقتصر الباحث في نقله !!
ولما كان المخالف يدعي أن العذر بالجهل عند شيخ الإسلام معناه رفع العذاب والعقوبة دون وصف الشرك ..عمد الباحث إلى بتر ما يدل على هذا المعنى من كلام شيخ الإسلام !!
فبعد سطرين فقط مما نقله قال شيخ الإسلام : ( والذين يؤمنون بالرسول إذا تبين لأحدهم حقيقة ما جاء به الرسول، وتبين أنه مشرك، فإنه يتوب إلى الله، ويجدد إسلامه، فيسلم إسلامًا يتوب فيه من هذا الشرك ) ا.هــ قاعدة عظيمة 1/70
فقوله وتبين أنه مشرك فإنه يتوب إلى الله ويجدد إسلامه، دليل قاطع بأن قول شيخ الاسلام "بالعذر" لا يعني رفع وصف الشرك عنه بل العقوبة كما جاء في غير موضع وأن فاعل الشرك ليس بمسلم على الحقيقة، بل مشرك ولكنه لا يعاقب على هذا الشرك قبل قيام الحجة، وقد احتج بقوله تعالى : "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا" التي قرر الباحث نفسه أنها تفيد رفع العقوبة لا رفع الوصف.
-ولا شك أن الباحث قد فهم ذلك، ولذا فقد بتر هذا النص عامداً!.
هذا الصنيع في كتاب يوصى به وتقدمه مراكز الأبحاث على أنه قيمة بحثية !!

الأصول التي ينطلق منها من يقول بالعذر بالجهل ..
عرض الباحث إلى الأصول التي ينطلق منها من يقول بالإعذار بالجهل وذلك في صفحة 121 إلى صفحة 134 ..وذكر أنها أصلان:
-الأصل الأول: -لا تكليف على العباد إلا بالشرع المنزل.
- وفي هذا الأصل تعرض الباحث إلى مسألة "التحسين والتقبيح العقليين " ، ومعلوم أن ما يخص مسألة الإعذار بالجهل في هذه المسألة هو ما يتعلق بالشرك الأكبر والتوحيد، وهل يدرك العقل قبح الشرك وحسن التوحيد قبل ورود الشرع أم لا ؟
وهل يوصف بالشرك من أشرك به سبحانه ،ويوصف بالتوحيد من يوحده جل جلاله قبل ورود الشرع ومجيء الرسول أم لا ؟
هذا هو محل النزاع في هذه المسألة ، وقد أشار الباحث إلى هذا المعنى في صفحة 130بقوله : (ومع هذه الفروق المؤثرة إلا أن بعض المعاصرين ممن لا يعذر بالجهل في مسائل الشرك يأبى إلا أن يقول إن كل من عذر بالجهل في الشرك فهو ممن خالف مذهب أهل السنة في الحسن والقبح ودخل في مذهب الأشاعرة.) ا.هـ
ولكنه مع ذلك لم يلتزم بحث هذا المعنى أو إبرازه وتحقيق الخلاف فيه! بل عرض المسألة عرضًا موسعًا على وجه يغيب فيه "محل النزاع" ويتوصل من خلال تشعيبه إلى نقيض ما عليه أهل السنة!
واجتهد الباحث في نقل كلام ابن تيمية وابن القيم في أن الكفر حكم شرعي وأنه لا يكون إلا بعد الرسالة وبالرسالة، وأن الإيجاب والتحريم والثواب والعقاب لا يكون إلا من الشرع، وأن من خالف حكمًا عقليًا لا يكفر،كما في نقله عن ابن تيمية في آخر صفحة 126 وما بعده ... وهذا كله لا إشكال فيه.. ولكنه ليس هو محل النزاع !!
· محل النزاع هو: ( إدراك العقل لقبح الشرك وحسن التوحيد ) وأن العقل حجة مستقلة في ذلك قبل ورود الشرع وإن كان العذاب موقوف على الحجة الرسالية!

طريقة عجيبة!!
وللباحث طريقة عجيبة في تحرير المسائل وإيراد النقولات، وهو أن لا يذكر قول المخالف على وجهه الصحيح، ولا يورد النقولات الصريحة المؤيدة له، وإنما يغيبها في بطون البحث أو يشير إليها في غير موضع التحرير، ليوهم القارئ أن ليس في المسألة إلا ما ورد! حتى إذا حوجج أنه لم يذكر النقول التي تخالف ما قرره قال : بل ذكرته في صفحة كذا وكذا (في غياهب الجب) ،وهذا ما فعله حين حرر مذاهب ابن تيمية وابن القيم وابن عبد الوهاب و ابن حزم وابن عثيمين !
وهو نفس صنيعه في مسألة التحسين والتقبيح !
فالباحث يعلم أن المخالف في مسألة التحسين والتقبيح يقول أن العقل يدرك حسن التوحيد وقبح الشرك قبل ورود الشرع ومجيء الرسول، وأن ذلك مغروز في فطر الخلق جميعًا، وأنه سبحانه قد أحتج عليهم بالبراهين العقلية التي تفيد تلك المعاني، ولولا أنهم مفطورون على ذلك لما كانت تلك البراهين حجةً عليهم..
ومع ذلك لا يذكر حول هذا المعنى شيئًا، ولا ينقل من كلام أهل العلم ما يفيده، وإنما يُعَمّي عليه ويخفيه ولايذكره إلا في آخر المبحث في إشارة سريعة ويحكم عليه بأنه خطأ، وأنه لا يتعارض مع العذر بالجهل الذي لم يقرر أدلته ولم يظهر فيه حجته!
والذي عليه أهل السنة أن الشرك مما يحكم عليه العقل بالقبح والسوء قبل الرسالة، وأن توحيد الله وعبادته وحده سبحانه ووجوب شكره على نعمه، مما تدل عليه الفطر السليمة والعقول الصحيحة قبل ورود الشرع ومجيء الرسل، وأن الشرك يوجب غضب الرب سبحانه وسخطه قبل الرسالة، وأنه ذلك يقتضي العقوبة والعذاب، ولكنه سبحانه علق ذلك على بعثة الرسل، "لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل " وفي الحديث :" وأن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب" الحديث
· ووجه استدلال من يذهب إلى هذا التقرير أنه: إذا كان العقل يدرك حسن التوحيد وقبح الشرك قبل ورود الشرع وقبل الرسول ،ومع الجهل والضلال ، ويسمى من يفعله بالمشرك، فلئن يثبت ذلك بعد ورودها أولى ..
فهذا وجه الدلالة عند من يستدل بهذه النقولات والتي لم يتعرض لها الباحث من قريب ولا من بعيد!
بل ادعى على المخالف معاني لم يذكرها ثم اجتهد في ردها ،وألزمه بأشياء لا يقول بها، ثم اجتهد أيضًا في ردها، دون أن يعرض قول المخالف على وجهه، ويوضح وجه استدلاله في المسألة - كما وضحته – ثم يرده ،وتأمل كلام الباحث في صفحة :132 !!
وهذه بعض أقوال شيخ الإسلام في تقرير هذا المعنى :
قال رحمه الله : ( والجمهور من السلف والخلف على أن ما كانوا فيه قبل مجيء الرسول من الشرك والجاهلية شيئا قبيحا وكان شرا. لكن لا يستحقون العذاب إلا بعد مجيء الرسول )ا.هـ 11/667
وقال: (..وهذا يقتضي أن نفس العقل الذي به يعرفون التوحيد، "حجة في بطلان الشرك"، لا يحتاج ذلك إلى رسول، فإنه جعل ما تقدم حجة عليهم بدون هذا..) ا.هـ الدرء 8/489
وقال ابن القيم :(فالسجود للشيطان والأوثان، والكذب والزنا، والظلم والفواحش، كلها قبيحة في ذاتها، والعقاب عليها مشروط بالشرع.....فتكون الآية دالة على الأصلين: أن أفعالهم وشركهم ظلم قبيح قبل البعثة، وأنه لا يعاقبهم عليه إلا بعد الإرسال..)


وقال : (والحق: أن وجوبه ثابت بالعقل والسمع، والقرآن على هذا يدل، فإنه يذكر الأدلة والبراهين العقلية على التوحيد، ويبين حسنه وقبح الشرك عقلا وفطرة، ويأمر بالتوحيد وينهى عن الشرك، ولهذا ضرب الله سبحانه الأمثال، وهي الأدلة العقلية، وخاطب العباد بذلك خطاب من استقر في عقولهم وفطرهم حسن التوحيد ووجوبه، وقبح الشرك وذمه، والقرآن مملوء بالبراهين العقلية الدالة على ذلك....ولكن هاهنا أمر آخر، وهو أن العقاب على ترك هذا الواجب يتأخر إلى حين ورود الشرع، كما دل عليه قوله تعالى "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا")1/253 المدارج
فتأمل هذه الأقوال الصريحة في محل النزاع وما جاء به الباحث عنهم لتعلم أنه ما ذكره الباحث مجرد تشويش وحيدة ..لم يتعرض لمحل النزاع !!
-الأصل الثاني:
في صفحة 134 وإلى صفحة 142ذكر الباحث الأصل الثاني الذي يبني عليه من يقولون بالإعذار بالجهل قوله وهو :
الشرع المنزل لا يلزم الجاهل به .
ابتدأ الباحث تقرير هذا الأصل بقوله : (استقرت المذاهب الإسلامية على الإقرار بأصل الإعذار بالجهل .. ثم قال : ولكن الصحيح الذي دلت عليه النصوص الشرعية هو أن الجهل عذر في كل مسائل الدين أصولها وفروعها، وأن الأحكام لا تلزم العبد الجاهل بها ) ا.هـ
وهذه دعوى لم ينقل الباحث عليه دليلاً، بل هي "محل النزاع" ،وادعاؤها يعتبر مصادرة على المطلوب !
وقول الباحث : ( الشرع المنزل لا يلزم الجاهل به .) ظاهره أن التوحيد يدخل في هذا الأصل، حيث قال في آخر صفحة 134( أن ذمة المعين الذي ثبت له عقد الإسلام تبقى بريئة من الأحكام الشرعية سواء كانت من التوحيد أو من غيرها ما دام جاهلاً بها !!)
وهذه مصيبة لم يسبق إليها الباحث فيما أعلم !!
كيف يسقط التوحيد عن جاهل التوحيد؛ كما تسقط مطالبته بالأحكام الشرعية إذا جهلها؟!
وكيف أن التوحيد لا يلزم الجاهل به ؟!
وقد اعتمد الباحث على فهم خاطئ لكلام شيخ الإسلام يقرر فيه أن حكم الخطاب لا يثبت في حق المكلف قبل أن يبلغه !!
ففهم منه أن ذلك يشمل التوحيد كما هو ظاهر كلامه .
فنقل قوله : (وأصل هذا: أن حكم الخطاب؛ هل يثبت في حق المكلف قبل أن يبلغه؟ فيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره. قيل: يثبت. وقيل: لا يثبت، وقيل: يثبت المبتدأ دون الناسخ. والأظهر أنه لا يجب قضاء شيء من ذلك، ولا يثبت الخطاب إلا بعد البلاغ )ا.هـ وهذا التقرير خاطئ بلا شك!!
وفي هذا المعنى أقوال كثيرة لشيخ الإسلام وبعبارات مختلفة، لكن كلام شيخ الإسلام لا يتضمن " التوحيد والشرك " فإن التوحيد أصل الدين فكيف لا يلزم به الجاهل ؟!
وقد صرح شيخ الإسلام في أحد إيراداته لهذه المسألة بأنه مقصوده بثبوت خطاب الشارع في حق المكلف إنما هو في" فروع الشريعة" ومسائل الإيجاب والتحريم ،وأنه لا يكون إلا بعد تمكنه من العلم به ، وصرح بهذا الباحث في صفحة 137 ولكنه كعادته قرر إن هذا غير صحيح؛ ولم يرد ذلك بحجة شرعية أو بنقل عن شيخ الإسلام، بل بدعوى عريضة أن تأصيلاته وسياقاته تدل على ذلك .. ونحن لا يعنينا هذا التوجيه ولا نقبله في مقابل نص شيخ الإسلام نفسه أن هذا في فروع الشريعة، قال رحمه الله :
( وأصلها أن حكم الخطاب " بفروع الشريعة" هل يثبت حكمه في حق المسلم قبل بلوغه، على وجهين ذكرهما القاضي أبو يعلى في مصنف مفرد. وفيها وجه ثالث اختاره طائفة من الأصحاب، وهو الفرق بين الخطاب الناسخ، والخطاب المبتدأ. فلا يثبت النسخ إلا بعد بلوغ الناسخ؛ بخلاف الخطاب المبتدأ. وقد قرروه بالدلائل الكثيرة أنه لا يجب القضاء في هذه الصور كلها، وأنه لا يثبت حكم الخطاب إلا بعد البلاغ جملة، وتفصيلا.) ا.هـ 22/11
فقوله في هذا النقل : "بفروع الشريعة " يقيد كل النقولات التي أطلق فيها القول واحتج بها الباحث عن شيخ الإسلام، وليس بالضرورة أن تكون فروع الشريعة الأحكام الفقهية فقط وإن جرى العرف على ذلك، لكنها في كلام شيخ الإسلام يدخل فيها الكثير من المسائل العقدية التي قد يخفى دليلها أو التي يسع فيها كرؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه أم لا ؟ ،وتفصيل لوازم صفاته جل وعلى التي قد يجهلها الكثير من الناس وغير ذلك.
قال شيخ الإسلام : " وبعضهم يخطئ بعد اجتهاده في طلب الحق، فيغفر الله له خطأه، تحقيقاً لقوله تعالى "ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا" سواء كان خطؤهم في حكم علمي أو حكم خبري نظري، كتنازعهم في الميت هل يعذب ببكاء أهله عليه؟ وهل يسمع الميت قرع نعالهم؟ وهل رأي محمد ربه؟ وأبلغ من ذلك أن شريحاً أنكر قراءة من قرأ "بل عجبت ويسخرون" ، وقال: إن الله لا يعجب، فبلغ ذلك إبراهيم النخعي، فقال: إنما شريح شاعر يعجبه علمه، كان عبد الله أعلم منه أو قال: أفقه منه ـ وكان يقرأ: (بل عجبت) فأنكر على شريح إنكاره، مع أن شريحاً من أعظم الناس قدراً عند المسلمين، ونظائر هذا متعددة. "ا.هـ درء التعارض صـ 1/272"

ثم تعرض الباحث في صفحة 143 إلى 190إلى مسألة قيام الحجة وفهم الحجة وتحقيق الحجة وجعل قيامها على صورتين :
1- القيام الحقيقي: ويكون بوصول العلم إلى المكلف، فإذا تحقق من وصول العلم إلى المكلف فقد قامت عليه الحجة على الحقيقة .
2- القيام الحكمي : ويكون باعتبار الجاهل عالماً لتمكنه من العلم، واعتباره معرضًا مقصرًا عن تفريط منه في طلب العلم، كما هو مقرر عند أهل العلم في المعلوم من الدين بالضرورة.
وسنترك الكلام عن مبحث قيام الحجة على الحقيقة ، رغم تخليط الباحث فيه، ونتكلم فقط عما قرره عن قيام الحجة الحكمية أو ما يعرف بقاعدة ( إمكانية العلم ).

- قاعدة إمكانية العلم :
فمن المقرر أن الجهل إما يكون:
· عن تفريط وإعراض وتقصير في طلب العلم مع بلوغه والتمكن منه .
· وإما أن يكون عن عجز وعدم بلاغ مع طلبه وإرادته والسعي إليه ..
ولا شك أن الشرع والعقل لا يسوى بين هذين الصورتين في الحكم ..
- وحيث أن الجاهل لابد وأن يكون من أحد هذين الصنفين ،فلابد من ضابط يفرق بينهما .
وقد قرر أهل العلم قاعدة عظيمة للتفريق بين هذه الصورتين، وهي قاعدة ( إمكانية العلم )، والتي تقضي بأن الجاهل إذا "تمكن" من العلم، ولم يطلبه وبقي على جهله فإنه " يُنَّزَلُ" منزلة العالم في التكليف، ويحكم عليه بحكمه، ويوصف بأنه معرض مفرط قد قامت عليه الحجة .
· ويعرف تمكنه من العلم بقرائن ودلائل ظاهرة:
· منها بلوغ العلم وانتشاره، وكونه في دار إسلام وبين المسلمين ومنها النظر إلى مثله ومن في نفس حالته، فإذا عَلِمَ البعضُ وجهل آخرون وهم في نفس الزمان والمكان والأحوال، دل ذلك على أن هؤلاء الآخرين مفرطون معرضون!
وهذه القاعدة "وفاقية" لا خلاف فيها بين أهل العلم، من يعذرون بالجهل ومن لا يعذرون!
- ومع اعتراف الباحث أن هذه القاعدة وفاقية وأنها مقررة في المذاهب الأربعة،كما في صفحة : 178،إلا أنه نسفها نسفًا وأبطل العمل بها، وقرر أنه لا تلازم بين التمكن من العلم وبين ثبوت التفريط!
فقال كما صفحة :182: ( وبهذا يتبين أن القول بأن كل من لم يطلب العلم الصحيح مع تمكنه منه لا بد أن يكون مفرطاً خطأ لا دليل عليه بل هو مخالف للواقع) ا.هـ
يعني أن اتفاق العلماء والمذاهب على هذه القاعدة لا قيمة له عند الباحث!
فتوصل إلى عكس مرادهم وقرر خلاف تقريرهم بكلام إنشائي لا يسمن ولا يغني.
- وقد انطلق الباحث في طعنه في هذه القاعدة على تفكيك الصلة بين إمكانية العلم ولزوم التفريط، فقال أن هذا الجاهل قد يكون جاهلاً وهو لا يدري أنه جاهل ،فلا يلزم من تمكنه وقوع التفريط منه!
- وهذا المعنى عند التحقيق فاسد؛ فمقتضاه أن هذا الجاهل تحقق فيه جهلان:
جهل بأن عليه طلب العلم بالمسألة المعينة، وجهل بالمسألة نفسها، وقد جعل الجهل الأول عذرًا في الجهل الثاني ودليلاً على عدم تفريطه فيه ..
ولنا أن نسأل الباحث عن الدليل على أن الجهل الأول عذر للجهل الثاني؟
ولقائل أن يقول : وما يمنع أن يكون جهله الأول عن تفريط وإعراض أيضاً ؟
ولكي نثبت أن جهله الأول ليس عن تفريط وإعراض ،لابد ن نثبت أنه جاهل بأنه جاهل أن عليه طلب العلم، ليكون ذلك دليلاً على أنه لم يفرط في تعلم المسألة.
وهكذا يحتاج كلُ جهلٍ جهلاً قبله ليكون له عذراً، وعلينا أن نثبت أن هذا الجهل لم يكن عن تفريط بإثبات جهل قبله، وبهذا يكون الباحث قد وقع فيما يسمى بـ ( الدور ) وهو دليل على بطلان قوله وتناقضه، بل وضعف موقفه في مواجهة جماهير العلماء والمذاهب الذي انتصب لمخالفتها.
· ومن جهة أخرى لو سلمنا بضرورة وصول العلم لهذا الجاهل بأن عليه طلب العلم بهذه فهل يقال في مثل هذا جاهل أصلاً، أو لم يصله البلاغ ؟
ونحن لسنا في حاجة إلى استدعاء هذه السفسطة لأن القاعدة لا يمنع من كونها قاعدة تخلف بعض أفرادها والتي تُحمل على مقتضاها شأنها في ذلك شأن القواعد كما هو معلوم في علم الأصول ..
فهذه القاعدة إنما وضعت كضابط يعلم به المفرط من غير المفرط، وهذا الغوص والتتبع داخل نفوس المكلفين وبواطنهم لا ينضبط بحال! كما أن نفس التمكن من العلم لا يرجع فيه إلى المكلف بل إلى ما يظهر من بلوغ العلم وانتشاره وكون المسألة مما تعلم بالضرورة أم لا ..
· وقد نقل في صفحة : 182 عن ابن اللحام قوله :"إذا قلنا يعذر فإنما محله إذا لم يقصر ويفرط في تعلم الحكم أما إذا قصر وفرط فلا يعذر جزمًا "..
وهذا القول لا يتنافى مع القاعدة فلم يقل ما قال في معارضتها وإنما ذكر أن العذر يكون مع عدم التفريط فهو تقرير لنفس المعنى.
وكذلك نقل في نفس الصفحة عن العز بن عبد السلام نفس معنى كلام ابن اللحام وكلاهما لم يتعرض للقاعدة ولم يقل ما ينافيها فهو سوء فهم وتوجيه خاطئ لأقوالهم!
وفي صفحة: 183 حاول الباحث توجيه كلام ابن تيمية على وجه لا يستقيم مع دلالة ألفاظه !
· فتأمل هذا النقل عن ابن تيمية: ( وإذا أخبر بوقوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منها لم يكن من شرط ذلك أن يصل أمر الآمر ونهي الناهي منها إلى كل مكلف في العالم؛ إذ ليس هذا من شرط تبليغ الرسالة: فكيف يشترط فيما هو من توابعها؛ بل الشرط أن يتمكن المكلفون من وصول ذلك إليهم. ثم إذا فرطوا فلم يسعوا في وصوله إليهم مع قيام فاعله بما يجب عليه: كان التفريط منهم لا منه)ا.هـ
فهذا الكلام صريح في إعمال قاعدة إمكانية العلم والبناء عليها ،وفيه تصريح أن العلم ليس شرطاَ في بلوغ الرسالة، وإنما التمكن هو الشرط المعتبر، وأن المكلف إذا تمكن ولم يعلم كان التفريط حينئذ منه ..فهل يحتاج هذا الكلام إلى تفسير ؟
وهل يختلف عما قرره أئمة المذاهب الأربعة والمحققون ؟
لكن الباحث يفهم منه أن ابن تيمية يشترط التحقق من التفريط ولا يعتبر التمكن من العلم، فأين هذا في كلام شيخ الإسلام؟!
وهذا السلوك من الباحث يسفر بلا شك عن معاندة شديدة للنصوص والنقولات لا تتناسب مع قواعد البحث العلمي وأمانة الطرح، وكم كنت أربأ به أن يسلك هذا المسلك!!
- ثم نقل عن ابن القيم قوله : ( لا بد في هذا المقام من تفصيل به يزول الإشكال، وهو الفرق بين مقلد تمكن من العلم ومعرفة الحق فأعرض عنه، ومقلد لم يتمكن من ذلك بوجه، والقسمان واقعان في الوجود، فالمتمكن المعرض مفرط تارك للواجب عليه لا عذر له عند الله...) ا.هـ

وزعم أنه يفيد ضرورة التحقق من التفريط دون الاعتماد على قاعدة التمكن من العلم، وفي الحقيقة فإن توجيه الباحث لهذا النقل يقطع بأن لديه إشكالية كبيرة في فهمه لكلام أهل العلم، فإذا كانت هذه النصوص الواضحة لا تفيد معنى القاعدة فكيف بغيرها مما يحتاج إلى تدقيق وتحرير؟!
وتأمل فهمه لقول ابن القيم : "فالمتمكن المعرض المفرط" وفهمه من ذلك أن العبرة بالتفريط والإعراض لا بالتمكن !! فبأي عبارة أوضح من هذه يريد الباحث أن يقرر ابن القيم بها هذه القاعدة ؟!
وهذه بعض نصوص ابن القيم الصريحة في تقرير هذه القاعدة :
قال رحمه الله :"فأحكام التكليف تتفاوت بحسب التمكن من العلم والقدرة" في إعلام الموقعين 4/169
وقال : "فإن حجة الله قامت على العبد بإرسال الرسول، وإنزال الكتاب، وبلوغ ذلك إليه، وتمكنه من العلم به، سواء علم أم جهل، فكل من تمكن من معرفة ما أمر الله به ونهى عنه، فقصر عنه ولم يعرفه، فقد قامت عليه الحجة ) ا.هـ مدارج السالكين 1/232
وقال ابن تيمية :" والصواب في هذا الباب كله: أن الحكم لا يثبت إلا مع التمكن من العلم" مجموع الفتاوى 19/226
وقال: "والحجة على العباد إنما تقوم بشيئين: بشرط التمكن من العلم بما أنزل الله والقدرة على العمل به. فأما العاجز عن العلم كالمجنون أو العاجز عن العمل فلا أمر عليه ولا نهي" 20/59
والباحث يعترض على هذه النصوص بكلام إنشائي مجرد ومحاولات جاهدة للربط بين متفرقات لا تتعارض مع هذه القاعدة ، ولكن بتحليله الإنشائي يحاول أن ينشئ تعارضًا ويوهم خلافًا يقرر من خلاله أن فهمه هو موجب كلام هذا العالم.
فجميع ما نقله الباحث ليدلل به على إبطال هذه القاعدة لا يصح، وهو عند التحقيق لا يتعارض معها، بل يقررها!
فما نقله عن الذهبي والمعلمي وابن عثيمين وغيرهم في عدم عذر المفرط هو تأكيد لهذا القاعدة ، فالكلام عن نفس التفريط لا يعني إهمال الضابط الذي يتحقق به من وجوده، ونسبية طرق التمكن من العلم واختلافه من مكان إلى آخر لا تنفي القول به والعمل بموجبه في كل مكان وزمان.
- وأخيرًا فإن من الأمثلة الجلية على تناقض الباحث هو وقوعه في نفس ما قد كان أنكره على شريف هزاع في كتابه "العذر بالجهل عقيد السلف" حيث أنكر قوله كما في صفحة : 175:
( أن العذر بالجهل ..لا فرق فيه بين دار الحرب ودار الإسلام في مظنة العلم وغيرها ) ا.هـ
فاعترض عليه أنه قد ألغى اعتبار مظنة العلم والجهل حين النظر في حال الجاهل، لأن هذا يعني أن الحجة لا تقوم إلا ببلوغ العلم فقط، فقال: ( وهذا القول غير صحيح، وهو مخالف للدلالات الشرعية والعرفية ومخالف لمواقف جماهير العلماء) ا.هـ
لكن الباحث بعد إبطال قاعدة التمكن والقول بضرورة التحقق من وقوع التفريط من الجاهل،قد توصل إلى نفس ما أنكره من كلام شريف هزاع السابق !
فنفي اعتبار مظنة العلم في اعتبار العذر هو نفسه نفي اعتبار قاعدة إمكانية العلم !
· وما سبق كان هو الجزء الذي عرض فيه الباحث مسألته وقدم أدلته والأصول التي تبنى عليها قوله بالعذر بالجهل وهي :190 صفحة ،وقد خلت تمامًا من أي نص صريح في المسألة يحسم به الخلاف أو حتى يقرب وجهات النظر!
وأعتقد من خلال اطلاعي على جل ما كتب في المسألة أن هذا الطرح يعد من أضعف ما قدم في المسألة من الناحية الموضوعية .
وما يحسب للباحث من إضافات هي أمور شكلية لا منهجية ولا تأصيلية، وهو كالتعبير الجيد والعرض الحسن، الذي يسر به القارئ ،ويطرب له السامع، لاسيما عند من يوافق مشربه، ولقد أبدع الباحث في ذلك باستخدام جملة وافرة من الألفاظ الفخمة والتراكيب الرنانة القوية المبثوثة في مقدمة البحث وثناياه والتي تؤكد أن الباحث قد قدم طرحًا منهجيًا وتأصيلاً علميًا للمسألة بل قدم له في مقدمة كتابه بالطرح الناضج والتحليل الفكري العميق الذي ارتكز على المسلمات واعتمد على الأصول، وتجاوز الأشخاص، فأصل منهجيًا، وأسس علميًا ،وكشف الغوامض وأزال اللبس وفك الإشكالات....إلخ

الجزء الثاني من الكتاب
أقوال المخالفين
الخطأ في توصيف قول المخالف!
- بدأ الباحث في صفحة: 193بتناول الاتجاه القائل بعدم العذر بالجهل في التوحيد بوصف غير دقيق، بل غير صحيح لحقيقة قولهم في المسألة، والتوصيف الخاطئ يعني معالجة خاطئة !!
فبينما يقدم قول من يعذرون بالجهل بتوطئة تتلمس فيها وجاهة القول بالعذر وضرورته فيقول في صفحة : 33 حقيقة هذا القول :( تقوم على أن المسلم الذي أعلن إقراره بالإسلام والتزم بجملة أصول الدين وثبت لنا إقراره ذلك بيقين إذا وقع في بعض صور الشرك ..وهو جاهل ....فإنه لا يحكم عليه بالكفر...) ا.هـ
تجده في المقابل يذكر قول من لا يعذرون مقترنًا بإلزامات توحي بنوع تشنيع وتشويه من طرف خفي لهذا الاتجاه ،فيقول في صفحة: 193: ( تقوم حقيقة هذا القول على أن المسلم إذا وقع في صورة من صور الشرك الأكبر جهلا منه بحكمها فإنه يرتفع عنه وصف الإسلام ويعد خارجًا من الملة ولا تجري عليه أحكام الإسلام في الدنيا فلا يصلى خلفه ولا تدفع له الزكاة إن كان فقيرًا ولا يدعى له إذا مات ولا يصلى عليه ولا يكفن ولا يدفن في مقابر المسلمين ولا يورث ولا يضحى عنه ولا يدعى له بالمغفرة ويعامل في الدنيا معاملة الكفار ) ا.هـ
فهل يريد أن يقول الباحث إن هذا الاتجاه قرين القسوة والتشدد في اتباع الأحكام، وأنه سبب في تقطيع أواصر المجتمع ونشر الفوضى كما قال غيره ؟!
وإلا فما معنى ذكر الأحكام المترتبة على القول مقترنة به قبل تناوله ودراسته والتحقيق فيه والرد عليه؟!
- فهذه البداية من الباحث تنم عن عدم الحيادية في الطرح التي أكد الباحث على التزامها!!
- ثم انطلق الباحث في صفحة :194 في ذكر أسماء بعض القائلين بعدم العذر بالجهل، وذكر منهم عددًا من أئمة الدعوة النجدية، واللجنة الدائمة وابن باز والطبري والقرافي وابن تيمية وابن القيم وأشار إلى أنه لا يسلم في البعض منهم بأنه لا يعذر ...وانتهى في صفحة 204 من ذلك .
- وليس لي تعليق سوى التنبيه على الغمز المتكرر في صحة أقوال البعض وإظهارها بمظهر التناقض؛ كالطبري والقرافي، والادعاء بأنها لا تفيد القائل بعدم العذر، لأنها تستلزم معاني لا يقول بها وغير ذلك ...والمأخذ هو ذكر ذلك دون نقل أو تحقيق في تلك الأقوال.
- من صفحة :204 إلى صفحة :285 استعرض الباحث أدلة القائلين بعدم العذر بالجهل، وقسمها إلى ثلاثة عشر نوعًا، أدرج في كل نوع النصوص المتضمنة لمعنى واحد - بحسب فهمه - وتناوله بالرد والنقد.
ولي مع الباحث وقفات في هذا الجزء أركز فيها على أبرز أوجه الخلل التي ظهرت لي :
- أولاً:
أول وجوه النقد هو: دمج الباحث لأدلة مخالفيه وتقسيمها إلى أنواع تحتها أفراد، ثم تناولها بالرد "جملة" يخل بالتناول الموضوعي لأفراد هذه الأدلة!
لأن الموضوعية تقتضي مناقشة الدليل الجزئي وما يدل عليه من معنى، وهل هذه الدلالة صالحة أم لا؟ ليتسنى للقارئ الحكم بوضوح بناء على تفاصيل محددة وردود موضوعية.
وتناول الباحث للأدلة بهذه الصورة قد فوت على القارئ كل ذلك ،وخرج ببحثه عن القواعد المتبعة في أصول الأبحاث العلمية المعروفة .
- ثانيًا:
من وجوه النقد أيضًا هو الرد العام على الأدلة الجزئية وهذا مبني على سابقه.
- فطرح الأدلة بالجملة أدى به أن يرد الباحث على الدليل الخاص بمعارض عام، فلا يقف مع المعنى الجزئي الذي جاء الدليل لإثباته ..بل لا يقف مع الدليل الجزئي أصلاً!
فمثلاً: الاحتجاج بالآيات التي تسمي المشرك مشركًا قبل الرسالة، يرد عليها الباحث بمعارض أعم من خصوص الدليل الجزئي، فيقول كما قال في النوع الأول والثاني والثالث والرابع والخامس :
(الاستدلال بهذا النوع من النصوص غير صحيح في منع الإعذار بالجهل)ا.هـ
مع أن هذه النصوص ليست أدلة مباشرة على عدم العذر بالجهل، وإن ذكرت في سياقه، لأنها تثبت معاني محددة تمثل جزءًا من البنية الاستدلالية لدى أصحابها، فمعارضتها بأنها لا تدل على عدم العذر بالجهل حيدة واضحة، وخروج عن الموضوعية.
ثم يتبع الباحث ذلك باستطرادات بعيدة عن دلالة النصوص محل الاستدلال، بحيث لا يظهر للقارئ وجه الدلالة من هذه النصوص، وقد يعرض هو أوجهاً لا يقول بها مخالفوه، ثم يرد عليها ،وهذا الصنيع سمة ظاهرة لدى الباحث لاسيما في الخمسة أنواع الأولى من الأدلة!
- ثالثًا:
ما ترتب على هذه الطريقة من خلل كان من آثاره أن تجد هذا التسطيح في كلام الباحث فيقول :
- في صفحة 271" : والمستقرئ للقرآن يجد كذا وكذا ..
- وفي صفحة 207 " : المستقرئ للنصوص التي جاءت في بيان ..
- وفي نفس الصفحة " : أن القرآن يصف ما أقدم عليه الكفار ..
- وفي صفحة232 " : المستقرئ لكلام ابن تيمية وغيره من المحققين يدرك كذا.. 
فهل يمكن أن تقوم منهجية علمية صحيحة في تحقيق المسائل والرد على استدلال المخالف بالقول أن المستقرئ للقرآن الكريم يجد كذا وكذا ؟! أي علمية أو طريقة استدلالية يتبعها المؤلف في هذا البحث ؟!
- رابعًا:
ركز الباحث في رده على أدلة مخالفيه على ثلاثة دفوع واهية لم يقم الدليل على أحدها وهي :
- الأول: زعمه أن أدلة مخالفيه إنما هي في الكفار الأصليين وأنه لا دخل لها بالعذر بالجهل .
- والثاني: زعمه أنها لو كانت في المسلمين فإنها محكومة بالشروط والموانع.
- والثالث: زعمه أنها فيمن أعرض عن الحجة بعد قيامها عليه .
هذه كلها دعاوى لم يقم عليها أدلة شرعية !!
- فأما الأول فقد رد به الباحث جميع الأدلة تقريبًا، حتى أقوال ابن تيمية وغيرها جعلها كلها في الكفار الأصليين، وهو تفريق لا أصل له، لم يأت عليه الباحث بدليل معتبر يفرق به بين الكافر الأصلي، ومرتكب الشرك من المنسب للإسلام ، ولذا فبنية الباحث الاستدلالية في مواجهة أدلة خصومة كانت في منتهى الضعف إذ أقامها على غير أساس متين !!
فمناط تكفير الكافر إتيانه الكفر، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وكون هذا كافر أصلي وصف عارض لا وصف ذاتي، فقد يكون هذا الكافر في شريعته مرتدًا وهو عندنا كافر أصلي، وإذا نطق بالشهادتين صار مسلمًا وإذا ارتكب ناقضًا صار مرتدًا، فمناط تكفيره هو فعله الكفر، وهذا يستوي فيه كل إنسان، فلو سلمنا أن هذه الآيات نزلت في الكفار الأصليين فمن يأتي الكفر الأكبر من المسلمين فهو ملحق به لاستوائهما في علة الحكم، وكل ما يذكره الباحث في التفريق بينهما لا أثر له، وما هو إلا تهويل لا قيمة له، ودليل ذلك أن الكافر الأصلي يدخل الإسلام بمجرد النطق بالشهادتين، والباحث يجعل هذا النطق مانعًا من تكفيره، وإخراجه إلى ما كان عليه من الكفر إذا فعل نفس ما كان يفعل قبل النطق!
فدعوى محصلتها أن النطق بالشهادتين مانع من التكفير حقيق بها أن تراجع وتتهم، لا أن تطرح في بحث على أنه طرح علمي ناضج !! 
- وأما الثاني : فدفعه بضرورة توفر الشروط وانتفاء الموانع هو في حقيقته دفع بمحل النزاع !
وهي مصادرة من الباحث في جعله النتيجة أحد مقدمات الدليل، والدفع بمحل النزاع يبطل الدعوى، وذلك لأنه على التسليم بضرورة توفر الشروط وانتفاء الموانع، فإن شرط العلم ومانع الجهل هما محل النزاع، فالدفع بضرورة توفر الشروط وانتفاء الموانع بما فيهم العلم والجهل هو نفسه الاحتجاج بمحل النزاع ،وهو باطل !
- وأما الثالث فالدفع بأن هؤلاء قد قامت عليهم الحجة إن سلم له في نص فلا يسلم له في غيره، وهذه من مظاهر الخلل التي أشرت إليها في دمج النصوص تحت نوع واحد، أو ما يسميه أصل واحد، إذ ليست كلها في الدلالة على لمطلوب على مرتبة واحدة ..ومن المغالطة أن يقال في نص هو محل نزاع "هو محمول على من قامت عليهم الحجة " فإن هذه مصادرة غير مقبولة!
- خامسًا:
تناول الباحث كلام إمام المفسرين الطبري بأسلوب غير لائق، بل ينبغي أن يرفع كلامه هذا إلى أهل العلم لينظروا فيه !
- ففي صفحة: 221 قال" فالتعميم الذي فهمه ابن جرير غير صحيح " ا.هـ
وقال : " فهذه الأوجه تدل على أن ما فهمه ابن جرير من الآية غير صحيح، وغير مستقيم مع دلالات النصوص الأخرى بل مخالف للإجماع.."ا.هـ
وهذا افتراء على هذا الإمام لأنه لم يستنبط، وإنما قال بظاهر الآية تفسيرًا، فكيف يتأتى لطالب علم أن يخطئ إمام في تخصصه الذي عرف به، ويقول فهمه غير صحيح !!
وليس الاعتراض على مجرد التخطئة بل لادعائه بأن الطبري لم يفهم كذا، وأن فهمه مخالف للقواعد والإجماع والنصوص وقاله بلا دليل !؛ وإلا فحتى التخطئة لها آداب وأصول لاسيما مع الأئمة أمثال الطبري رحمه الله ،وقد كان يمكنه أن ينقل من كلام الأئمة من يقول بخلاف الطبري دون أن يضع نفسه في مقابلته!
- علماً بأن ما أنكره الباحث على الطبري قال به جملة من أهل العلم قلدوا قوله، وبعضهم نقل نص كلامه كما فعل كابن كثير في تفسيره، والثعالبي في الجواهر الحسان أيضًا، وكذا القاسمي، وقال بمثل قول الطبري الإمام الزجاج اللغوي الشهير معاصر له، وصرح بأن من يقول بقول الباحث العميري " مبطل "! فقال في الآية : (وقوله: (ويحسبون أنهم مهتدون). يدل على أن قومًا ينتحلون الإسلام ويزعمون أن من كان كافرًا، وهو لا يعلم إنه كافر فليس بكافر "مبطلون" لأمر نحلتهم، لأن الله جل ثناؤه قد أعلمنا أنهم يحسبون أنهم مهتدون، ولا اختلاف بين أهل اللغة في أن الحسبان ليس تأويله غير ما يعلم من معنى حسب.والدليل على أن الله قد سماهم بظنهم كفرة قوله عز وجل:( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من لنار.فأعلم أنهم بالظن كافرون، وأنهم معذبون.) ا.هـ معاني القرآن2/331
فاجتراء الباحث على الطبري واتهامه في فهمه ينال كل هؤلاء بلا شك !!
- وإنك لتعجب ممن يعترض على فهم الطبري حين يزعم أن قوله تعالى : إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله " لا يلزم منه أن يكونوا غير معذورين بالجهل، فهم ضالون ولكنهم مؤمنون معذورون!
مع أنه تعالى قد قال في آية قبلها :"إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون" الآية
فهل لصاحب هذا الفهم أن يعترض على فهم الطبري ؟!
- سادسًا:
من النماذج الصارخة على الانتقائية في هذا البحث أنه بينما يتهم الطبري بعدم الفهم في قوله بظاهر الآية ،إذا به يحتج بكلام القرطبي المخالف صراحة لظاهر الآية!
وذلك في تفسير قوله تعالى :"أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون " حيث قرر القرطبي رحمه الله أن هذا ليس بموجب أن يخرج العبد من الدين وهو لا يشعر، وقد رد أهل العلم ومنهم الشنقيطي في أضواء البيان على القرطبي وقالوا إن ظاهر الآية يرد عليه...
- وقد تواتر قول ابن تيمية "أن الردة تتجرد عن قصد تبديل الدين وإرادة التكذيب بالرسالة" وقوله: "وبالجملة من قال أو فعل ما هو كفر كفر وإن لم يقصد أن يكون كافراً " لكن الباحث يأتي به وقد قرر ما سبق ليصرف به ظاهر الآية في قوله تعالى :"أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون "!!
فيوهم القارئ بأن ابن تيمية يقول لا يحبط العمل من حيث لا شعر العبد، وهو نفسه قد قرر هذا المعنى بأوضح عبارة وأصرحها!
- سابعًا:
من أوجه الخلل المنهجية ما ذكره الباحث في صفحة :231 تعليقًا على قوله تعالى :
"إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة" وقوله: " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك"
فقد ذكر احتجاج أهل العلم بها، ووجهه استدلالهم في هذه الآيات: أنها على إطلاقها لم تستثن الجاهل ولا غيره، فيلزم منها عدم عذر هؤلاء .
وهذا من الناحية الأصولية مستقيم، وعلى المعترض أن يذكر النص المقيد لهذه الإطلاقات، فيُخرج به وصف الجهل أو التأويل أو الإكراه أو غير ذلك ..
- لكن الباحث لم يتناول هذه الأدلة بهذه المنهجية، وادعى أن هذا النوع من الاستدلال غير صحيح ،لأنه "مخالف لقاعدة الوعد والوعيد في الكتاب والسنة "ا.هـ
وهذا الدفع غير صحيح ؛بل هذا الدفع يدل على عدم فهم لهذه القاعدة أصلاً !!
فقاعدة الوعد والوعيد التي قررها شيخ الاسلام معناها الموازنة بين الحسنات والسيئات، وأن الوعيد قد يتخلف مقتضاه في حق المكلف لأسباب منها أن تكون له حسنات تشفع له، وغير ذلك مما ذكره شيخ الإسلام، وهذا لا يتضمن الكفر الأكبر، أو الإشرك بالله، الذي يوجب حبوط جميع الحسنات، أو الذي قال الله فيه "ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله" ، وقال جل وعلا:" لإن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين" ، والباحث يجعل من يرتكب الشرك داخلاً في هذه القاعدة !
وهذه قاعدة منهجية تميز بين أهل السنة وبين أهل البدع الذين ضلوا في فهم نصوص الوعد والوعيد والأسماء والأحكام التي جاءت في الكتاب والسنة ،فأعمل بعضهم نصوص الوعد وغلبها على نصوص الوعيد كالمرجئة، وأعمل غيرهم نصوص الوعيد وغلبها على نصوص الوعد كالخوارج والمعتزلة .
فتوسطهم أهل السنة بهذه القاعدة.
فمرتكز عمل هذه القاعدة بالأساس هو الفاسق الملي ومرتكب الكبائر وألحق بهم شيخ الإسلام أصحاب المقالات من أهل البدع التي يطلق القول فيها بأنها كفرية باعتبار ما تؤول إليه لا باعتبار أنها في نفسها كفر، كالقول بنفي الجهة والاستواء والقول بالكلام النفسي والقدر وغير ذلك .كما أطلق الشارع على بعض الأعمال بأنها كفر كقوله صلى الله عليه وسلم :"سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " وقوله:" لا يزني الزاني وهو مؤمن " وقوله:" لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض " وقد قرر أهل العلم أنها كفر دون كفر أو أن الكفر فيها بالاستحلال..
وبعيدًا عن الاستطراد في التفاصيل، فهذه القاعدة في ذاتها لا تمثل تقيدًا ولا تخصيصًا، وإنما توجب النظر في المقيدات، فتقرر أن : هذه الأحكام ليست على إطلاقها بل قد تكون مقيدة بنصوص أخرى ، فيبحث عن ما يقيدها ، قال شيخ الإسلام " وما ورد من «نصوص الوعيد المطلقة» كقوله: " فسوف نصليه نارا " فهو مبين ومفسر بما في الكتاب والسنة من النصوص المبينة لذلك المقيدة له. وكذلك ما ورد من «نصوص الوعد المطلقة» . المستدرك 1/29: " ا.هـ
فالقاعدة في نفسها ليست قيدًا يمكن تقيد النصوص الشرعية بها بمجرد إدراجه فيها واستثناء الجاهل والمتأول من خلاله، ولذا فما لم يذكر الباحث نصًا فلا فائدة من إعمال هذه القاعدة !! هذا أولاً.
- ثانيًا: قول الباحث في صفحة 231:" أن ما من سبب ينفرد بنفسه في التأثير في مسببه بل لابد من توفر الشروط وانتفاء الموانع حتى يتحقق مقتضاه " ا.هـ
هو من الاختلالات المنهجية والمغالطات المنتشرة في طول الكتاب وعرضه.
فالتقييد بالشروط والموانع والدفع بها في مقابل كل دليل هو - كما سبق - دفع بمحل النزاع؛ لأن من هذه الشروط شرط "العلم"، ومن الموانع مانع "الجهل" ، وهما محل النزاع ،وإثباتهما هو موضوع الكتاب ،فكيف يتخذه الباحث أحد دفوعه؟!
فانظر كيف يتكرر هذا الخلل لتعلم مدى هشاشة الدفوع التي يدفع بها الباحث أدلة مخالفيه.
- ثالثاً: وهو يمثل الخلل الأكبر:
هل تدخل هذه الإطلاقات في نصوص الوعد والوعيد أصلاً ؟ !
فالأحكام المقررة من هذه الآيات تمثل قواعد عامة وثوابت شرعية ..
فالشرك لا يغفره الله إذا مات الإنسان عليه من غير توبة ،وهذا أصل عقدي لا يتخلف.
والمشرك في النار خالدًا مخلدًا فيها ، وهذا أيضًا أصل كلي لا يتخلف .
أما نصوص الوعد الوعيد فيتخلف موجبها في حق بعض أصحابها لموانع، قال شيخ الإسلام : "وأحاديث الوعيد يذكر فيها السبب، وقد يتخلف موجبه لموانع تدفع ذلك: إما بتوبة مقبولة وإما بحسنات ماحية وإما بمصائب مكفرة وإما بشفاعة شفيع مطاع وإما بفضل الله ورحمته ومغفرته .." ا.هـ
فلا تصْدق هذه الموانع على من يشرك بالله.
قال شيخ الإسلام : "والتحقيق أن يقال: الكتاب والسنة مشتمل على نصوص الوعد والوعيد كما أن ذلك مشتمل على نصوص الأمر والنهي وكل من النصوص يفسر الآخر ويبينه فكما أن نصوص الوعد على الأعمال الصالحة مشروطة "بعدم الكفر المحبط"؛ لأن القرآن قد دل على أن من ارتد فقد حبط عمله فكذلك نصوص الوعيد للكفار والفساق مشروطة بعدم التوبة.. " ا.هـ
ومن العجيب أن الباحث قد نقل هذا المعنى نفسه عن شيخ الإسلام، في صفحة : 233 حيث قال رحمه الله : ( وهذا الشرط الذي ذكرناه في لحوق الوعيد لا يحتاج أن يذكر في كل خطاب؛ لاستقرار العلم به في القلوب كما أن الوعد على العمل مشروط بإخلاص العمل لله؛ وبعدم حبوط العمل بالردة ثم إن هذا الشرط لا يذكر في كل حديث فيه وعد") ا.هـ لكنه كحاطب الليل ينقل ما يضره !!
فإذا كان إعمال القاعدة مشروطًا بإخلاص العمل لله؛ وبعدم حبوط العمل بالردة ،فما بالك إذا كان العمل نفسه ردة أو شركًا ؟!
وهل يقال لمن أشرك : إن عمله خالص لله ؟!
- ثامنًا:
وهذا مما يدرج تحت عنوان التدليس هو ما قام به الباحث في صفحة : 271 حيث أشار إلى أن ابن تيمية يفرق بين الكافر الأصلي والجاهل الذي ارتكب شركًا، فقال :(وكثيرا ما ينبه ابن تيمية على ضرورة التفريق بين الكافر الأصلي وحال المسلم المتلبس ببعض المكفرات ) ا.هـ ثم أحال إلى موضع في كتاب جامع الرسائل 1/244 ولم ينقل نصه !!
و هذا الموضع ليس فيه تفريق بين الكافر الأصلي ومن يفعل الشرك الأكبر أو النواقض المكفرة كما أوهم كلامه فقد قال رحمه الله :
( وقد بعث الله الرسل مبشرين ومنذرين وقال " سبحانه وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " وهذا مما يظهر به الفرق بين المجتهد المخطئ والناسي من هذه الأمة في المسائل الخبرية والعملية وبين المخطئ من الكفار والمشركين وأهل الكتاب الذي بلغته الرسالة) ا.هـ
- وكما هو واضح فالتفريق بين المجتهد المخطئ من المسلمين والمجتهد المخطئ من المشركين وكفار أهل الكتاب ، وليس أحد ينكر هذا التفريق ،فتنزيل أحكام الكفار على المسلمين فيما دون الكفر من الذنوب أو البدع لا يجوز ، بل هذا منهج الخوارج ،في التكفير بالمعاصي ...لكن هذا ليس هو محل الخلاف،
الخلاف في التفريق بينهما حين يشتركان في النواقض المكفرة والشرك الأكبر، فهذا مناط تكفير الكافر الأصلي والمرتد من المسلمين.
فلم يورد الباحث أي دليل على ذلك، بل كلامه مجرد دعاوى ونقولات في غير محل النزاع بل من جنس ما سبق عن ابن تيمية، ومع ذلك فقد ملأ كتابه بالاحتجاج بهذ التفريق، فلا يكاد يورد دليلاً إلا وهذا التفريق في مقدمة دفوعه ..فلا عجب أن قامت ردوده في غالبها على غير أساس!!
وسيأتي شيء من التفصيل في نقض هذا التفريق حين نأتي بالتعليق على كلام الباحث في أصول من لا يعذرون بالجهل .
- تاسعًا:
ومما يؤخذ على الباحث خلال عرضه لأدلة مخالفيه هو ما وقع منه من بتر لكلام السعدي وذلك في صفحة: 221 في معرض رده على أدلة النوع الرابع ومنها قوله تعالى :"إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون "
فقد احتج في أحد وجوه رده بقول السعدي رحمه الله على أن هذه الآيات إنما جاءت فيمن قامت علبهم الحجة فقال : ( ولأجل هذا حمل السعدي آية الأعراف على العبد الذي قامت عليه الحجة حيث يقول في تفسيرها أي: "وجبت عليهم الضلالة بما تسببوا لأنفسهم وعملوا بأسباب الغواية.) ا.هـ
وبعد الرجوع إلى تفسير السعدي في الآية تبين أن الباحث ترك من كلام السعدي ما يدل على خلاف قوله ،قال رحمه الله : ( وفريقا حق عليهم الضلالة" أي: وجبت عليهم الضلالة بما تسببوا لأنفسهم وعملوا بأسباب الغواية. فـ " إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله" "ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا" فحين انسلخوا من ولاية الرحمن، واستحبوا ولاية الشيطان، حصل لهم النصيب الوافر من الخذلان، ووكلوا إلى أنفسهم فخسروا أشد الخسران."
ثم قال: وأن من حسب أنه مهتد وهو ضال، أنه لا عذر له، لأنه متمكن من الهدى، وإنما أتاه حسبانه من ظلمه بترك الطريق الموصل إلى الهدى.. ) ا.هـ
ففي هذا النقل تصريح بعدم عذرهم، وأنهم لم يعذروا مع جهلهم لأنهم متمكنون من العلم، ولعل هذا هو السبب الذي اضطر لأجله الباحث أن لا ينقل بقية هذا النقل واكتفى فيه بالإشارة !!
فهذه كانت وقفات سريعة على تناول الباحث للثلاثة عشر دليلاً من أدلة مخالفيه، ونواصل ما تبقى من الكتاب بصورة إجمالية ..

الأصول المنهجية التي انطلق منها من لا يعذرون بالجهل

- من صفحة 287 إلى نهاية الكتاب تقريبًا عرض الباحث الأصول المنهجية التي انطلق منها من لا يعذرون بالجهل وهي خمسة أصول :
الأول : قولهم بالحد الأدنى لثبوت وصف الإسلام
الثاني : التسوية بين حال الكافر الأصلي والمسلم الواقع في الشرك
الثالث : الاعتماد على قاعدة الحكم للظاهر والله يتولى السرائر
الرابع : التفريق بين المسائل الظاهرة والمسائل الخفية في الإعذار
الخامس : الاعتماد على المقتضيات القدرية في بناء الأحكام الشرعية
- الأصل الأول :
القول بالحد الأدنى لثبوت وصف الإسلام..
وقبل التعليق على ذلك أقول : إن مما ينبغي أن يعلم أن من لا يعذر بالجهل ينطلق ابتداء من أصل كلي وهو زعمه عدم ثبوت نصوص صريحة في الكتاب والسنة تفيد عموم العذر بالجهل!!
ويزعم أن الشروط والموانع أحكام شرعية لا تثبت إلا بالدليل الشرعي الصريح، ولا يوجد في شرط العلم ولا في مانع الجهل نص صريح يدل على اعتبارهما على جهة العموم!
هذا هو الأصل الأصيل الذي ينطلق منه من يقول بعدم العذر، نعم ..توجد دلائل شرعية على العذر في بعض المواضع فهذه معتبرة فيما جاءت فيه، وفيما يماثلها، لكنها في مجموعها لا تقوى على أن تنشئ عمومًا في أصول الدين وفروعه، يتضمن من أشرك بالله وعبد غيره.
ويزعم أن ما يورده الطرف الآخر في المسألة لا يخرج عن استنباطات من قضايا أعيان ومفردات جزئية يستنبط منها من يقول بالعذر عذر أصحابها بالجهل، وجل التركيز على بعض نقولات عن أهل العلم فهمت في غير موضعها كما هو حال صاحب البحث !
هذا هو الأصل الأول الذي ينطلق منه من يقول بعدم العذر بالجهل ..
-أما قول الباحث بأن من لا يعذر بالجهل ينطلق من قوله بالحد الأدنى ،فهذا التوصيف غير دقيق؛ بل غير صحيح، وهو إلى الغمز والتشويه أقرب منه إلى التحقيق والحيادية، وقد تكرر هذا الصنيع من الباحث وأشرت إليه قبل ذلك والشيخ ابن باز واللجنة الدائمة لا يقول بالحد لأدنى كما هو معلوم وهم لا يعذرون بالجهل في التووحيد ..
- فإن فكرة الحد الأدنى مرتبطة تاريخياً بمنهج الخوارج والتكفيريين الذين يجعلون الأصل في الناس هو الكفر ،ويهدرون دلالات الإسلام الظاهرة ولا يعتبرونها في إثبات الإسلام كالنطق بالشهادتين والصلاة والولادة لأبوين مسلمين ...إلخ (النص والدلالة والتبعية)، بل يشترطون الالتزام ببعض الأعمال أو ما يسمى جملة الفرائض، وهذا بعيد كل البعد عن مذهب من يقول بعدم العذر بالجهل في التوحيد ..
والصحيح أن يقال أنهم ينطلقون من القول بأن الشرك يتنافى مع حقيقة الإيمان والتوحيد، إذ أن الإيمان والكفر متقابلان إذا زال أحدهما خلفه الآخر ...
فلا يجتمع أصل الإيمان وأصل الكفر قط، كما لا يرتفع أصل الإيمان وأصل الكفر قط، قال سبحانه :"هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن " فهما لا يجتمعان ولا يرتفعان في آن واحد وإلا لزم الجمع بين النقيضين.
قال شيخ الإسلام رحمه الله : ( والكفر عدم الإيمان باتفاق المسلمين سواء " اعتقد نقيضه وتكلم به" أو " لم يعتقد شيئا ولم يتكلم" ولا فرق في ذلك ) ا.هـ مجموع الفتاوى 20 / 86
ومعنى قوله رحمه الله أن الكفر عدم الإيمان، أن من لم يأت بالإيمان فهو كافر.
وله صورتان :
الأولى: من لم يأت بالإيمان أصلاً وهذا هو الكافر الأصلي ..
الثانية :من أتى بالإيمان ثم ارتكب بعد ذلك ما ينقضه من المكفرات القولية أو العملية ..
فكل من هاتين الصورتين يصدق عليه وصف الكفر، لأنه لم يأت بالإيمان، قال ابن القيم رحمه الله :
( والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بالله وبرسوله وإتباعه فيما جاء به، فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم،وإن لم يكن كافرًا معانداً فهو كافر جاهل )ا.هـ طريق الهجرتين
فما لم يأت العبد بالإيمان فليس بمسلم سواء اعتقد نقيضه وتكلم به" أو" لم يعتقد شيئا ولم يتكلم" ولا فرق في ذلك...
هذا هو الأصل الذي ينطلق منه من لا يعذر بالجهل على تفصيل مذكور في موضعه 
وخلاصته أن حقيقة الإيمان التي قررها الشارع منتفية في حق المشرك، فإذا ثبت الكفر والشرك فقد انتفى عنه الإيمان ضرورة ،..فالقول بعذره إن سلمنا به لا ينبغي أن يتعارض مع هذا الأصل!
- ومما يؤخذ على الباحث في صفحة: 293 قوله: "وإنما محل البحث في تحديد المناط المعتبر في ثبوت وصف الإسلام للمعين والتي تبنى عليه الأحكام في الدنيا وهذا شأن آخر أخطأت فيه طوائف عديدة وذكر منهم ثلاثة :
- المتكلمون، وقال إنهم لم يثبتوا وصف الإسلام بمجرد الإقرار وإنما اشترطوا النظر في دليل الحدوث ..
وهذا التعميم خطأ على المتكلمين وخلط من الباحث بين تحقيق الإيمان وثبوت الوصف فمقصود أكثر المتكلمين هو تحقيق الإيمان المعتبر لا ثبوت الوصف الظاهر.
· ثم ذكر جماعة التوقف والتبين وذكر أنهم لم يثبتوا وصف الإسلام بالإقرار ولكن اشترطوا فعل الواجبات وترك المحرمات ...
وهذا الكلام غير دقيق، فالجزء الأول منه صحيح أما الثاني فغير صحيح !
فإنهم لم يشترطوا فعل الواجبات وترك المحرمات بل اشترطوا الإتيان بالتوحيد والكفر بالطاغوت وتكفير المشركين أو بمعنى أدق تحقيق أصل الدين، وكلامهم باطل.
فهؤلاء جعلوا الأصل في الناس هو الكفر وأهدروا الدلالات الظاهرة على الإسلام فلم يعتبروا النطق بالشهادتين دلالة على الإسلام، وإنما اشترطوا تحقيقها بأفعال معينة منها تكفير المشركين!
- ثم ذكر أخيرًا بعض من لا يعذرون بالجهل وقال إن حقيقة قولهم: ( أن العبد لا يثبت له وصف الإسلام إلا بالعلم بما يدخل في الشرك الأكبر وترك كل تفاصيله وأما من أقر بالشهادتين وهو لا يعلم بعض ما يدخل في تفاصيل الشرك الأكبر كمن لا يعلم أن الاستغاثة بغير الله شرك أكبر فهو لا يثبت له عقد الإسلام بإقراره ولم يخرج عن الكفر الأصلي ) ا.هـ
وهذا لم ينقله عن أحد بل أرسله دون إحالة أو إشارة لمن قال به ..
-واشتراط العلم بتفاصيل الشرك لثبوت وصف الإسلام لا يقول به أحد ممن يقولون بعدم العذر، وإنما هي دعاوى مجردة ولوازم يتصورها المخالف لمذهب مخالفه !!
- والصحيح أنهم يثبتون وصف الإسلام بالإقرار وما يقوم مقامه من الإشارة والإيماء عند العجز، كما يثبتونه بالولادة لأبوين مسلمين أو أحدهما، وكذا بالإتيان بأي دلالة تدل على الإسلام مما يختص بها كالصلاة وغيرها ..
وهذا لا يتعارض مع قولهم إن الشرك ينافي حقيقة التوحيد، وأن الإسلام لا يثبت مع الشرك بل يزول ويحل محله الكفر، فالكلام عن الحقيقة لا يكون إلا عند مخالفتها بالشرك المنافي لها.. لا يكون عند إثبات الوصف ، ولعل الباحث قد اختلط عليه الأمران ،لذا ركز في رده على ذلك وأورد النصوص الكثيرة في أن من ينطق بالشهادتين يثبت له وصف الإسلام وقد كان في غنى عن ذلك لو تأمل في كلام مخالفيه الذي لم ينقل لنا نص كلامهم ولا ندري من أين جاء به ونسبه إليهم !!
وفي صفحة :297 قال : ( وتدل على أن العلم الذي يشترط في الشهادتين ليترتب عليهما وصف الإسلام إنما هو العلم الجملي بمقتضاها ،ويتحصل هذا القدر بإدراك دلالتها على وجوب إفراد الله بالعبادة والبراءة من الشرك ، فمن قال لا إله إلا الله وهو يريد هذا المعنى فقد ثبت له وصف الإسلام ولو لم يكن يعلم تفاصيل ما يدخل في الشهادة ) ا.هـ
- وهذا الكلام غير صحيح من وجهين متقابلين :
الأول : أن اشتراط العلم بمعنى الشهادتين لثبوت وصف الإسلام ليس من منهج أهل السنة !
فإن ثبوت الوصف لا يتوقف على شرط، فلا يختبر المكلف في علمه أو اعتقاده إلا أن يظهر منه ما يدل على جهله، أو فساد اعتقاده،كأن يعرف عنه ذلك أو يتلبس به حال نطقه، وخلا ذلك يحكم له بالإسلام بمجرد نطقه بالشهادتين، وكما مر بنا فالباحث يخلط بين الإيمان المنجي والإسلام الحكمي ...
الثاني : أننا سواء قلنا أن المعتبر في ذلك العلم الجملي أو العلم المفصل، فضابطه أن لا يرتكب ما يناقض التوحيد، فلا يشرك العبد بالله شيئًا ،فإن أشرك بربه الشرك الأكبر فلا يمكن أن يدعي أحد أن لديه إيمان جملي أو تفصيلي فكل ذلك يفسد ويحبط بمجرد ارتكابه الشرك !
والزعم بأن هذا يعني اشتراط العلم بتفاصيل التوحيد غير صحيح!!
فالتوحيد ليس فيه فرع وأصل كما يوهم كلام الباحث، فمعناه :أن يعبد الله ولا يشرك به شيئا،ً فهذا حق الله على العباد كما جاء في الحديث : "يا معاذ أتدري حق الله على العباد وحق العباد على الله .. حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً "
وهو توحيد الإلوهية المستلزم والمتضمن توحيد الربوبية ،توحيد القصد والطلب، توحيد التوجه والقصد ..
- أما علم المكلف بأن هذا العمل عبادة أو غير عبادة فليس بلازم لتحقق الشرك أو الوصف به فلو " تقرب" إلى غير الله بغير العبادة لكان مشركًا، والسحرة يعبدون الجن بشتى أنواع الأقوال والأعمال وبعضها ليست من صور العبادة المشروعة، ولكن لما كانت على سبيل التقرب لغير الله كانت شركًا وكفرًا ..
وقد كان المشركون في الجاهلية يتقربون إلى أصنامهم بشتى الصور ولم يكن لديهم رسالة أو شريعة تبين لهم صور العبادة التي لا تصرف إلا لله، ولم يقل أحد إنهم ليسوا مشركين لأنهم لا يتقربون لأصنامهم بما يسمى عبادة في شريعتنا!
· وعلى ذلك قام الدليل الشرعي من الكتاب والسنة ففي الكتاب كل ما جاء من وصف المشركين بالشرك قبل الرسالة والعلم ومع الجهل والضلال ومن السنة حديث عدي رضي الله عنه لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ قوله تعالى : "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله "فقال ما عبدناهم يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم : ألم يحلوا لكم الحرام ويحرموا عليكم الحلال فأطعتموهم ؟ قال بلى .. قال : فتلك عبادتكم إياهم .. "
فهذا نص في محل النزاع وهو صريح في أن الجهل بمعنى العبادة لا يؤثر في رفع وصف الشرك بنص الحديث والقرآن ..

-الأصل الثاني

عدم التفريق بين الكافر الأصلي والكافر الطارئ.
وزعم الباحث أن هذا من أصول من يقول بعدم العذر غير صحيح !!
- فمسألة التفريق بين الكافر الأصلي والطارئ ليست من مرتكزات أو أصول من لا يعذر بالجهل، بل هي أقرب لأصول من يعذر لأنها في الحقيقة مما يدفع به العاذر عموم أدلة مخالفه في عدم العذر فيدعي أنها مقصورة على الكافر الأصلي ..
وقبل الدخول في أتون النقولات التي أعتبرها مهزلة ! أنوه أن الباحث هنا قد فرق بين الكافر الأصلي والمرتد بمجرد النطق بالشهادتين .. وهذا يلزمه لزوماً لا ينفك عنه !!!
وإليك الدليل : فقد قال في مقدمة تعريفه الكافر الأصلي صفحة303:
( الكافر الأصلي هو العبد الذي لم " يظهر " الإقرار" بالإسلام دينا ولا بالنبي صلى الله عليه وسلم رسولاً ولم " يعلن" الاعتراف بوجوب إفراد الله تعالى بالعبادة والبراءة من الشرك ولم" يبد الإقرار"الجملي بإفراد الله تعالى بالعبادة ولم " يظهر" التصديق المطلق لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ولا الإذعان الكامل لشرعه ،ولا الالتزام بفعل أوامره وترك نواهيه )ا.هـ
وما بين المعكوفين يبين أن الكافر الأصلي ( لم يقر - لم يظهر - لم يبد- لم يعلن ) وهذا مرادفه = لم ينطق بالشهادتين ...
فكل ما ذكره الباحث يدل على عدم النطق بالشهادتين، وقد عبر عنها بصيغ مختلفة وعبارات متنوعة ليوهم عظم الفارق، كي لا ينسب إليه القول أن :"مجرد النطق بالشاهدتين مانع من موانع التكفير .. وهو حقيقة قوله !!
ولذلك لو سألنا الباحث بم يدخل الكافر الأصلي في الإسلام ؟
فلن يتردد في القول: بالنطق بالشهادتين .. ولن يذكر أياً من هذه المعاني التي ذكرها في تعريف الكافر الأصلي ..
فإذا كان الفرق بينهما أن هذا نطق الشهادتين وهذا لم ينطق، فأي دليل يجعل هذا النطق مانعًا من التكفير مع فعل الناقض؟! 
هذا وجه ..
- ووجه آخر فإن الباحث يخلط بين المعاني المستلزمة لقول لا إله إلا الله وبين المعنى المطابق لها، فما يذكره الباحث في دلالة لا إله إلا الله في مسألة التفريق بين الكافر الأصلي والمرتد وفي بحث التفريق بين كفر الساب والمشرك وما تناثر في بحثه هنا وهناك يدل دلالة واضحة أن الباحث لم يضبط المفهوم المطابقي للشهادتين والتوحيد ولم يفرق بين هذا المعنى ومستلزماته !!
فما ذكره الباحث في تعريف الكافر الأصلي هي لوازم للنطق بالشهادتين قد تنفك لعوارض معلومة، وإلا فليس كل من ينطق بالشهادتين يكون مصدقًا ومذعنًا وملتزمًا ولديه إيمان جملي وبراءة مجملة وغير ذلك مما ذكره الباحث في نكتة التفريق السابق ...
وهذا أظهر من أن يحتاج إلى أدلة قال تعالى :"ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين "، فذكره للوازم وإهماله للمعنى المطابقي لـ لا إله إلا الله وهو تحقيق التوحيد وترك ما ينافيه خلل جلل!!
وليت الباحث اعتمد في تحرير هذه المفاهيم الدقيقة على علمائنا النجدين الذي أهدر كلامهم في طول كتابه وعرضه.. فهؤلاء أكثر من ضبطوا هذه المعاني وفصلوا فيها !!
وعود على بدء ..
محل النزاع في التفريق بين الكافر الأصلي والمسلم الذي ارتكب شركًا هو ما ذكره المؤلف من فروق وهل هي مؤثرة توجب التفريق أم غير مؤثر لا توجب التفريق؟
ولكي يتصور القارئ محل النزاع بصورة دقيقة ينبغي أن نفرق في هذه المسألة بين ثلاث صور:
· الصورة الأولى : التفريق بين الكفار الأصليين وبين أهل الكبائر وهذا التفريق لا إشكال فيه ولا خلاف ،وليس هو محل النزاع ..فتنزيل آيات الكفار على أهل الكبائر من المسلمين بمعنى إجراء أحكام الكفر عليهم هو من فعل الخوارج .
ومع ذلك فلا يمنع من الاحتجاج بهذه الآيات على جهة الاعتبار وأصل ذلك موجود في السنة وعمل الصحابة ، قال القرطبي:( فإن قيل : فعلى هذا يجوز الاستدلال على المسلمين بما أنزل في الكافرين ومعلوم أن أحكامهم مختلفة ؟ قيل له : لا يستبعد أن ينتزع مما أنزل الله في المشركين أحكام تليق بالمسلمين..) ا.هـ
· الصورة الثانية :التفريق بين الكفار الأصليين وأهل البدع من المسلمين وهذا أيضاً لا إشكال فيه ولا خلاف ..فتنزيل آيات الكفار على أقوال أهل البدع وتكفيرهم بموجب هذه الآيات لا يصح، فأصحاب المقالات من أهل البدع لم يرتكبوا شركاً صريحاً ولا كفراً صريحاً ،وإنما قالوا أقوالاً يلزم منها كفراً ، ولازم المذهب ليس بمذهب ، وفرق بين الكفر المحض أو الصريح والكفر بالمآل ولازم المذهب ،فالأول يكفر صاحبه في الحال والثاني يكفر بالمآل بعد معرفة ما يلزمه من كفر، فالأول دل النص الصريح على كونه كفراً، والثاني ليس عليه نص صريح وإنما يؤول كلامه إلى تكذيب النصوص ، ومن أهل العلم من يعتبرها صريحة فيكفر بعضهم بموجب ذلك ، لذا فهم مختلفون في الحكم عليهم ، ولكن المحققين من أهل العلم كشيخ الإسلام نص على أن التكفير بها من باب التكفير باللوازم .
قال رحمه الله : " فالمخطئ في بعض هذه المسائل: إما أن يلحق بالكفار من المشركين وأهل الكتاب مع مباينته لهم في عامة أصول الإيمان. وإما أن يلحق بالمخطئين في مسائل الإيجاب والتحريم مع أنها أيضا من أصول الإيمان.... وإذا كان لا بد من إلحاقه بأحد الصنفين: فمعلوم أن المخطئين من المؤمنين بالله ورسوله أشد شبها منه بالمشركين وأهل الكتاب فوجب أن يلحق بهم وعلى هذا مضى عمل الأمة قديما وحديثا" ا.هـ
· الصورة الثالثة : التفريق بين الكفار الأصليين ومن يرتكب الكفر الأكبر من المسلمين فهذه الصورة هي محل النزاع !!
وهذه الصورة لا خلاف بين أهل العلم المعتبرين في التسوية بينهما في وصف الكفر والتشديد على المرتد أكثر من الكافر الأصلي في الأحكام المترتبة على الردة !!
وهذا قول العلامة عبد اللطيف آل الشيخ هذه الشبهة الواهية حيث قال :
( ..من منع تنزيل القرآن، وما دل عليه من الأحكام على الأشخاص والحوادث التي تدخل العموم اللفظي، فهو من أضل الخلق وأجهلهم بما عليه أهل الإسلام وعلماؤهم قرناً بعد قرن، وجيلاً بعد جيل، ومن أعظم الناس تعطيلاً للقرآن، وهجراً له وعزلاً عن الاستدلال به في موارد النزاع.. ) ا.هـ مصباح الظلام ص: 185
وسيأتي كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نفي التفريق والجزم بأنه لم يقل به عالم قط !!
- وبناء على ما سبق فإن نقل الباحث عن أهل العلم فيما يخص الصورتين الأولى والثانية يعتبر حيدة عن محل النزاع أو عدم تحرير لأقوالهم !
وهذا ما قام به الباحث في هذه المسألة !!
ففي النقل الأول في صفحة: 304 كان كلام شيخ الإسلام في التفريق بين المجتهد المخطئ وبين الكفار الأصليين، وقد صرح الباحث بنفسه أنه خاص بتكفير المبتدعة.
وفي النقل الثاني صفحة: 305 كان كلامه في نفس المعنى، والعجيب أن الباحث صرح أيضًا بأن ابن تيمية يفرق فيه بين المخطئين من أمة محمد والكافر الأصلي؛
فما نقله عن ابن تيمية لا صلة له بالتفريق محل النزاع!

ولأن اعتماد الباحث كان على النقل عن شيخ الإسلام، فأستميح القارئ عذرًا في أن أضع له بعض أقواله في بيان أن سيرته في من يرتكب شركًا من المسلمين أن يلحقهم بأمثالهم من المشركين وأهل الكتاب وتنزيل أدلتهم عليهم ودمجهم جميعاً في سياق واحد، مع أنه قد سبق النقل عنه أن يجعل أصحاب المقالات من أهل البدع ملحقين بالمخطئين من المسلمين وقال نصًا: " وإذا كان لا بد من إلحاقه بأحد الصنفين: فمعلوم أن المخطئين من المؤمنين بالله ورسوله أشد شبها منه بالمشركين وأهل الكتاب" ا.هـ

فتأمل ما قاله عمن أشرك من المسلمين وبمن ألحقهم.

- قال رحمه الله : (فإن الإشراك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل ، دع جليله ، وهو شرك في العبادة والتأله ، وشرك في الطاعة والانقياد ، وشرك في الإيمان والقبول. فالغالية من النصارى والرافضة وضلال الصوفية والفقراء والعامة يشركون بدعاء غير الله تارة وبنوع من عبادته أخرى وبهما جميعا تارة ومن أشرك هذا الشرك أشرك في الطاعة. ) 1/100 مجموع
وقال : (. فبيَّن أن النصارى مشركون من حيث اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيحَ ابن مريم، ولم يقل أحد من النصارى أن الأحبار والرهبان شاركتِ الله في خلق السماوات والأرض. فإذا كان الداعي المستغيث بمن مات من الأنبياء مشركًا فكيف من دَعا ميّتًا غيرَ الأنبياء واستغاث به؟!")ا.هـ
وقال : (وهذا من أكبر الأسباب التي بها أشرك المشركون وعبدة الأوثان. وكذلك المستغيثون من النصارى بشيوخهم الذين يسمونهم العلامس يرون أيضا من يأتي على صورة ذلك الشيخ النصراني الذي استغاثوا به فيقضي بعض حوائجهم. وهؤلاء الذين يستغيثون بالأموات من الأنبياء والصالحين والشيوخ وأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم غاية أحدهم أن يجرى له بعض هذه الأمور أو يحكى لهم بعض هذه الأمور فيظن أن ذلك كرامة وخرق عادة بسبب هذا العمل. ومن هؤلاء من يأتي إلى قبر الشيخ الذي يشرك به ويستغيث به فينزل عليه من الهواء طعام أو نفقة أو سلاح أو غير ذلك مما يطلبه فيظن ذلك كرامة لشيخه وإنما ذلك كله من الشياطين. ) 1/360 المجموع
وقال : (وكثيرا ما يتصور الشيطان بصورة المدعو المنادى المستغاث به إذا كان ميتا. وكذلك قد يكون حيا ولا يشعر بالذي ناداه؛ بل يتصور الشيطان بصورته فيظن المشرك الضال المستغيث بذلك الشخص أن الشخص نفسه أجابه وإنما هو الشيطان وهذا يقع للكفار المستغيثين بمن يحسنون به الظن من الأموات والأحياء كالنصارى المستغيثين بجرجس وغيره من قداديسهم ويقع لأهل الشرك والضلال من المنتسبين إلى الإسلام الذين يستغيثون بالموتى والغائبين يتصور لهم الشيطان في صورة ذلك المستغاث به وهو لا يشعر.) 19/47المجموع
وقال : ( كما يقع كثير من ذلك للمشركين وأهل الكتاب يرون بعد الموت من يعظمونه من شيوخهم. فأهل الهند يرون من يعظمونه من شيوخهم الكفار وغيرهم. والنصارى يرون من يعظمونه من الأنبياء والحواريين وغيرهم. والضلال من أهل القبلة يرون من يعظمونه ) 27/391 المجموع
وقال : (فأئمة هؤلاء هم شيوخ المشركين الذين يعبدون الأصنام مثل الكهان والسحرة الذين كانوا للعرب المشركين ومثل الكهان الذين هم بأرض الهند والترك وغيرهم. ومن هؤلاء من إذا مات لهم ميت يعتقدون أنه يجيء بعد الموت؛ فيكلمهم ويقضي ديونه ويرد ودائعه ويوصيهم بوصايا فإنهم تأتيهم تلك الصورة التي كانت في الحياة وهو شيطان يتمثل في صورته؛ فيظنونه إياه. وكثير ممن يستغيث بالمشايخ فيقول: يا سيدي فلان أو يا شيخ فلان اقض حاجتي. فيرى صورة ذلك الشيخ تخاطبه ويقول: أنا أقضي حاجتك وأطيب قلبك فيقضي حاجته أو يدفع عنه عدوه ويكون ذلك شيطانا قد تمثل في صورته لما أشرك بالله فدعا غيره" 35/115 المجموع
وقال : (فالغلاة في المخلوقين كالنصارى ونحوهم من أهل البدع صاروا بغلوهم مشركين، قال تعالى: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون ) الاخنائية 1/211
وإن شئت لسودت هذه الصفحة بالنقولات من هذا النوع الذي يقطع معه طالب الحق أن سيرة ابن تيمية في أهل الشرك من المسلمين هي دمجهم مع أمثالهم من الكفار الأصليين من المشركين وأهل الكتاب ، والاستدلال على شركهم بنفس أدلتهم ،فلا يفرق بينهم في الأدلة ولا في وصفهم بالشرك ،وإن تكلم في بعض المواضع بعذرهم بالجهل فهذا نقر به ولا شك ولكن على المعنى الذي تفسره أقواله الأخرى عند تحقيقها ..
ومن له ممارسة لكتب شيخ الإسلام يقطع بأن باب الشرك يختلف عن باب أقوال أهل البدع والمقالات ،ويقطع أن كلامه فيمن يشرك ليس من جنس كلامه في المجتهد أو المتأول من أهل البدع ، وأن سيرته في من يشرك من المسلمين هو إلحاقهم بأمثالهم من مشركي الأمم السابقة وأهل الكتاب وغيرهم، وسيرته في أصحاب المقالات من أهل البدع هو إلحاقهم بأهل الذنوب ومجتهدي الأمة من المخطئين ..

- ثم انتقل الباحث لنقل جديد عن الشيخ السعدي رحمه الله وقال إنه نقل مناظرة بين اثنين يفرق أحدهما بين الكافر الأصلي والمرتد دون ذكر من هذين المتناظرين ومع قول الباحث أن ظاهر "حال " السعدي يوحي بموافقة من يفرق!
تأمل "ظاهر حال الشيخ " لا ظاهر كلامه ..أهذه غاية بحثك يا شيخ سلطان ؟
- ثم نقل عن ابن الوزير رحمه الله في سياق كلامه عن أهل البدع من المشبهة والمجبرة والمجسمة وهذا الكلام بعيد عن محل النزاع تمامًا، لأنه خاص بالصورة الثانية من صور التفرق التي مرت بنا، فلم يتعرض ابن الوزير لمحل النزاع .
ثم انتقل بنا المؤلف أخيرًا ولكن بسرعة وبإشارة خاطفة إلى ابن حزم والسعدي مرة ثانية ليقف بنا في النهاية على كلام الشيخ ابن عثيمين رحمه الله وهو الذي يبني عليه المؤلف بحثه تقليدا لا تحريرًا، وتركيبا لا بناءً وتجريدًا!
وإذا كان الباحث يدفع بالشيخ ابن عثيمين في صدورنا - وهو منها محل القلب - فهذا كلام شيخ ابن عثيمين محمد بن إبراهيم حيث قال في شرحه على رسالة كشف الشبهات :
"الشبهة التاسعة: قولهم: إنكم تكفرون المسلمين –تجعلوننا مثل المشركين الأولين ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ونصدق بالبعث ونصلي ونصوم ونحج ونعتمر –وهم بالعكس- كيف تجعلون من كان معه هذه الخصال وهذه الفروق كمن ليس فيه منها شيء.
وقد أجاب عنها بتسعة أجوبة بين فيها أن هذه الفروق غير مؤثرة بالكتاب والسنة والإجماع، بل هذه الخصال والفروق مما يتغلظ بها كفرهم."ا.هـ
فهذا أنموذج لمنهجية الباحث في تناوله لمسألة استغرقت عشر صفحات من كتابه وذكر فيها أسماء جملة من أهل العلم لم ينقل عنهم نقلاً واحداً معتبراً يدل على ما ذهب إليه..

-الأصل الثالث

من أصول القائلين بعدم العذر بالجهل قولهم بقاعدة :
· "الحكم بالظاهر والله يتولى السرائر "
وهذا الأصل محل إجماع بإقرار الباحث، ومع ذلك جعله الباحث من أصول من لا يعذرون بالجهل!
قال ابن عبد البر: ( وقد أجمعوا أن أحكام الدنيا على الظاهر وأن السرائر إلى الله عز وجل. ) التمهيد10/ 157
وقال ابن بطال : ( وقد أجمعوا أن أحكام الدين على الظاهر، وإلى الله السرائر. ) شرح ابن بطال 16 / 122
وقال القرطبي: ( وأجمع العلماء أن أحكام الدنيا على الظاهر، وأن السرائر إلى الله عز وجل.) الجامع لأحكام القرآن12 / 203
وقال ابن حجر: ( وكلهم أجمعوا على أن أحكام الدنيا على الظاهر والله يتولى السرائر وقد قال صلى الله عليه و سلم لأسامة: «هلا شققت عن قلبه». ) "فتح الباري 12/ 273
وقد أقر الباحث بأن هذا الأصل محل اتفاق ،وكل ذلك لم يمنعه من الاجتراء عليه ونقضه !!
· ففي صفحة :311 قرر أن هذه القاعدة "أصل قطعي " في الشريعة وذكر أن النووي وابن القيم وابن حجر قد حكوا " الاتفاق" على ذلك، بل ذكر أن كثيرًا من المحققين قرروا وجوب اعتمادها في بناء الأحكام على العباد.
ثم أكد ذلك بعدا من النقولات عن الشافعي رحمه الله منها قوله :"الأحكام على الظاهر والله ولي المغيب .. ولو كان لأحد أن يأخذ بباطن عليه دلالة كان ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وما وصفت من هذا يدخل في جميع العلم " ا.هـ
ثم أكد مرة أخرى بالقول أن هذا الأصل دلت عليه الكثير من " النصوص " واحتج بفعل النبي مع المنافقين وقصة أسامة رضي الله عنه ..
وبعد كل ما نقله من هذه التقريرات والنقولات والإجماعات ،إذا به يقرر نقيض ذلك كله!
فيقول في صفحة: 317: ( ولأجل هذا كان التكفير عند "أهل السنة " حكماً على الباطن لا حكمًا على مجرد الظاهر ) ! وهذا يذكرنا بقول القرطبي رحمه الله حين نقل قول السلف في الصفات ثم قال: أظهر الاقوال وإن كنت لا أقول به ولا أختاره ما تظاهرت عليه الآى والاخبار والفضلاء الاخبار ان الله سبحانه على عرشه كما أخبر فى كتابه بلا كيف بائن من جميع خلقه"
وإلا فما هي هذه الأدلة الذي ذكرها الباحث سوى الفزلكة الكلامية لينقلب الشيء إلى نقيضه؟!
فإذا أقر الباحث بأن الحكم بالظاهر أصل قطعي ونقل اتفاق المحققين عليه وفيه إجماع صريح كما مر بنا فمعارضة هذا الأصل مع العذر بالجهل يعني بالضرورة أن العذر بالجهل مخالف للأصول!
فالباحث مضطرب في تحرير المسألة، وليس لديه تصور لكيفية التوفيق بينها وبين القواعد والأصول المقررة في الشريعة، مما أدى به إلى خلخلة الثوابت وإهدار القواعد ونقض الأصول، وصار ذلك سمة ظاهرة في هذا البحث!

- الأصل الرابع
- مسألة التفريق بين المسائل الظاهرة والمسائل الخفية :
قام الباحث في هذا الأصل بنفس ما قام به في الأصل السابق حيث نقل اتفاق المذاهب الأربعة وعلماء الدعوة النجدية على القول به، ونقل تصريح شيخ الإسلام ابن تيمية بهذا التفريق ثم أدار ظهره له واختار عدم التفريق !
وقد توصل الباحث إلى بطلان هذا التفريق لوهم أن الظهور والخفاء أمر نسبي يختلف باختلاف الأماكن والأزمنة، وأن هذه النسبية تجعل هذا التفريق لا قيمة له !!
والقول بأن الظهور والخفاء نسبي لا يمنع من العمل بهذه القاعدة ،فما من واقع إلا وسيبني فيه العالم حكمه على ما يظهر وما يخفى فيه من مسائل،كل بحسبه، فيقال: هذه المسائل خفية وهذه المسائل ظاهرة ،فاختلاف الواقع ونسبية الظهور والخفاء ليس مانعًا من القول به، ولكن لما قصر "فهم" الباحث وغاب عنه المعنى الصحيح لإدراك ذلك، أخذ ينسف التقسيم بالكلية ويسرد النقولات التي يظن أنها تعارض هذا التقسيم وهي في حقيقتها إما أنها تدعمه أو لا علاقة لها به!
- وأخيرًا:
فإن العذر بالجهل مسألة خلافية اجتهادية ،يعد تناولها بهذا الشكل المنفرد حادثًا ..
لم يفرد لها في كتب السنة أو العقيدة باب ولا فصل ولا عنوان أصلي ولا فرعي، وتأمل كيف يعنون في كتب السنة والأحكام لآداب دخول الخلاء، وفي كتب العقيدة للمسح على الخفين، ولا يفرد لهذه المسألة المحورية بحسب الباحث عنوان فرعي! وكل ما ينقل فيها من أقوال ونقولات تأتي عرضًا في سياق موضوعات أخرى كعوارض الأهلية في كتب الأصول، أو فتاوى أهل العلم .
- والقضية قد أثيرت في الخمسينيات من القرن الماضي ،وصارت فتنة بين شباب الصحوة بعد ذلك، ووظفت أمنيًا لتصنيف المناهج العاملة على الساحة بين معتدل ومتشدد، واستجاب لهذا التوظيف حينئذ بعض من يوصفون الآن بعلماء الفتنة، فاستطاعوا بإثارتها وتفخيمها وربطها بالأصول والعقائد، تمزيق الصف وتفريق الجمع، وإيغال الصدور، وبالغوا في أحكام التبديع والهجر ،فهذا يخرج كتابًا في العذر بالجهل والرد على بدعة التكفير، وهذا يجعل العذر بالجهل عقيد السلف، فلا يبدأ الشاب طريق الإلتزام إلا ويلقنوه ما في هذه الكتب ويجهزوه لغزو إخوانه ممن خرجوا عن العقيدة!
فيا لله كم من عالم قد بدّعوه وهجروه وأوقفوا دروسه ونابذوه، وحذروا الناس منه وممن يسمع له ويقول بقوله ،ويا لله كم من سجين حبسوه في نفسه وجردوه من حقه ومنعوا عنه أسباب الحياة .. فكان الأخ يتعرف على آخيه بقوله هل تعذر أم لا ؟
فإن وافقه ،وإلا فالفراق والشقاق والتحذير والنكير ،وأخيرًا والإبلاغ عنه تقربًا وديانة، فعقدوا عليها الولاء وشدوا عليها الوثاق وجعلوها فتنة للحاضر والباد ..
والآن يعيدها العميري جزعة!!
فالأمة الآن على مفترق طرق وفي أتون صراع حقيقي مع قوى الشر من العلمانيين والليبراليين وأذنابهم في الداخل والخارج. صراع حول هويتها وشريعتها وقيّمها، وأحكامها، صراع يستلزم جمع الكلمة ووحدة الصف ،وتكافل الجميع، وتجاوز الخلاف، ولله در هذا العالم المجاهد "عمر مكرم " الذي أمر بإيقاف حلقات التدريس في الجامع الأزهر حينما غزا الإنجليز مصر فيما يسمى بحملة فريزر ..
إن إبراز هذه المسألة في هذا التوقيت ،وإعادة طرحها من جديد على الساحة وتفخيم آثارها، وربطها بالعقائد والأصول ،ليعيد إلى الأذهان مخلفات ذاك الماضي البئيس، فالأحداث على الأرض تكاد تكون متقاربة، فما أشبه اليوم بالبارحة !
هذا والله أعلم، وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.