بحث مهم ودقيق في مسألة " الاستغاثة " وحكم المخالفين فيها عند شيخ الاسلام.

فإنه لا خلاف بين العلماء أن التوجه لغير الله بأي نوع من أنواع العبادة شرك بالله،لأن الشرك حقيقته إشراك غير الله فيما لا يكون إلا لله، سواء في العبادات أو الأسماء والصفات أو خصائص الربويبة، فمن ذبح لغير الله فهو المشرك بربه سبحانه، ومن شبه صفاته سبحانه بصفات خلقه فهو المشرك بالله سبحانه، ومن أشرك غير الله في خصائص ربوبيته كالخلق والأمر والتدبير والنفع والضر، فهو المشرك بربه سبحانه ..
هذه العمومات والإطلاقات لا خلاف فيها بين أهل العلم فيما أعلم، ولكن النزاع في أمرين :
الأول: اختلافهم في دخول بعض الأعمال في معنى العبادة كالطواف وبعض صور التوسل كالتوسل بالميت، وبعض الصور التي يدرجها البعض في التوسل وهي ليست منه كالاستغاثة بالميت والطلب منه..
الثاني : في بعض شروط تكفير المعين الواقع في هذه الصور آنفة الذكر.
وهذان الأمران لا يقضيان على ما سبق تقريره في العمومات، أن من توجه لغير الله بأي من صور العبادة أنه مشرك.
والاستغاثة بمعنى طلب الغوث نوع من الدعاء يدخل في معنى العبادة وهي مدرجة في العموم السابق فلا تجوز لغير الله، وهي من خصائصه سبحانه والإشراك فيها شرك أكبر مخرج من الملة بلا شك ..
ولكن ثمة نكتة مهمة في هذا الإطلاق، ألا وهي أن: الاستغاثة والاستعانة والاستنصار وكل ما يشترك فيه الخالق والمخلوق من معاني يقع فيه إشكال في تصور الحد الفاصل بين ما هو حق للخالق سبحانه وما هو حق للمخلوق .

فالاستغاثة والاستعانة والاستنصار من هذا النوع .

فكلها من نوع الدعاء أو الطلب، فالاستغاثة طلب الغوث وهو إزالة الشدة كالاستنصار طلب النصر والاستعانة طلب العون والمخلوق يطلب منه من هذه الأمور ما يقدر عليه وما هو لائق به، قال تعالى: " فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه " الآية، وقال سبحانه: "وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر " مع قوله: " وما النصر إلا من عند الله " وقال صلى الله عليه وسلم : "فإني لا أستعين بمشرك " مع قوله : "إذا استعنت فاستعن بالله "، وقوله سبحانه : "إياك نعبد وإياك نستعين "..إلخ.

وأما ما لا يقدر عليه إلا الله؛ فلا يطلب إلا من الله.

ولأن كلا الحقين يندرج تحت مسمى واحد وهو "الاستغاثة" فإن حدود القدر المختص بالخالق المختص بالمخلوق وقع فيه اشتباه وخلاف عند بعض أهل العلم ..

كما هو عند جل علماء الأشاعرة والماتريدية وعلى رأسهم السبكي والبكري الذي رد عليهما شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله. 

ولما كان الأمر عند هؤلاء داخلاً في إطار الاجتهاد الخاظئ نتيجة الاشتباه الحاصل في المسألة فقد عده شيخ الاسلام من " المسائل الخفية " ولم يجعله من المسائل الظاهرة التي ينبني عليها التكفير بمجردها ..

ولقد وقع الخلط عند البعض ممن لم يفرقوا بين هذين المقامين في كلام شيخ الاسلام في موضوع الاستغاثة لا سيما في معرض رده على البكري، فتراه يستدل على عدم تكفير المشركين من عباد القبور وأمثالهم بعدم تكفير شيخ الاسلام لأمثال البكري والسبكي وابن مخلوف وغيرهم من جماهير علماء الأشاعرة والماتريدية ..

ولحل هذا الإشكال لابد من التفريق بين صورتين : 

الأولى : من يثبت لغير الله ما لا يكون إلا لله أو ينفي عن الله ما هو من حقه سبحانه، لاشتباه الحد الفاصل في صور الاستغاثة بين الخالق والمخلوق فهذا يعذر ولا يطلق القول بتكفيره إلا أن يعلم تكذيبه للنصوص..ومن ذلك إثبات الصفات ونفيها عن الله بالتأويل والنفي، وقد أقرن بها شيخ الإسلام مسألة الخطأ في الاستغاثة وعدها جميعًا من المسائل الدقيقة. 

ومناط الكفرفي هذه المسائل هو تكذيبه للنصوص والكلام فيه من باب اللوازم، بمعنى يكفر لما يلزمه من تكذيب النصوص أو بما يؤول إليه هذا الإثبات أو النفي من تكذيب للنصوص فهو كفر بالمأل وليس كفرًا في الحال.

ومن ذلك قول شيخ الاسلام :

" فالصواب: إن مذهب الإنسان ليس بمذهب له إذا لم يلتزمه؛ فإنه إذا كان قد أنكره ونفاه كانت إضافته إليه كذبًا عليه،...فالذين قالوا بأقوال يلزمها أقوال يعلم أنه لا يلتزمها، لكن لم يعلم أنها تلزمه، ولو كان لازم المذهب مذهبًا للزم تكفير كل من قال عن الاستواء أو غيره من الصفات أنه مجاز ليس بحقيقة؛.....ولازم قول هؤلاء يستلزم قول غلاة الملاحدة المعطلين، الذين هم أكفر من اليهود والنصارى" م 20/217 

ويقول أيضا : " ويقول المثبت نفي مباينته للعالم وعلوه على خلقه باطل؛ بل هذه الأمور مستلزمة لتكذيب الرسول فيما أثبته لربه وأخبر به عنه وهو كفر أيضا لكن ليس كل من تكلم بالكفر يكفر حتى تقوم عليه الحجة المثبتة لكفره فإذا قامت عليه الحجة كفر حينئذ؛ بل نفي هذه الأمور مستلزم للتكفير للرسول فيما أثبته لربه وأخبر به عنه؛ بل نفي للصانع وتعطيل له في الحقيقة. وإذا كان نفي هذه الأشياء مستلزما للكفر بهذا الاعتبار وقد نفاها طوائف كثيرة من أهل الإيمان فلازم المذهب ليس بمذهب؛ إلا أن يستلزمه صاحب المذهب فخلق كثير من الناس ينفون ألفاظا أو يثبتونها بل ينفون معاني أو يثبتونها ويكون ذلك مستلزما لأمور هي كفر وهم لا يعلمون بالملازمة بل يتناقضون وما أكثر تناقض الناس لا سيما في هذا الباب وليس التناقض كفرا" ا.هـ

وقال: " ولكن عامة موارد التعارض هي من الأمور الخفية المشتبهة التي يحار فيها كثير من العقلاء، كمسائل أسماء الله وصفاته وأفعاله، وما بعد الموت من الثواب والعقاب والجنة والنار والعرش والكرسي "ا.هـ 1/151 

فهذاواضح بأن كفر المخالفين في مسألة الصفات هو من باب التكفير باللوازم.

وقد عدَّ شيخ الإسلام صورة الإستغاثة المذكورة بالمسائل الخفية أو الدقيقة فأحقها فالتكفير باللوازم والمآلات كمسائل الصفات.

فقال : "وللناس في معنى هذا-التوسل - قولان: أحدهما ...أنهم كانوا يتوسلون به في حياته ... وتوسلهم به هو استسقاؤهم به ... وهذا لم يفعله الصحابة بعد موته ولا في مغيبه...

والثاني: أن التوسل يكون في حياته وبعد موته وفي مغيبه وحضرته ولم يقل أحد: إن من قال بالقول الأول فقد كفر ولا وجه لتكفيره "فإن هذه مسألة خفية ليست أدلتها جلية ظاهرة "والكفر إنما يكون بإنكار ما علم من الدين ضرورة أو بإنكار الأحكام المتواترة والمجمع عليها ونحو ذلك."

فذكر رحمه الله الخلاف في حكم التوسل به حيًا وميتًا، ورد على من كفَّر أصحاب القول الأول، وقال لا وجه لتكفيره لأن هذه مسألة خفية ليست أدلتها ظاهرة ..

والخفاء هنا هو في تحديد الحد الفاصل بين ما هو مشروع وما ليس بمشروع بناء على ما ورد من أدلة شرعية ...

وعليه فقد علق التكفير في هذه الصورة حتى قيام الحجة فقال: "والاستغاثة بمعنى أن يطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم ما هو اللائق بمنصبه لا ينازع فيها مسلم ومن نازع في هذا المعنى فهو إما كافر إن أنكر ما يكفر به وإما مخطئ ضال. وأما بالمعنى الذي نفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أيضا مما يجب نفيها ومن أثبت لغير الله ما لا يكون إلا لله فهو أيضا كافر إذا قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها." 1/112

ففرق هنا بين الاستغاثة الجائزة هو الطلب من المخلوق ما يليق به، والاستغاثة بالخالق سبحانه فيما لا يقدر عليه إلا هو سبحانه ثم قال: "ومن أثبت لغير الله ما لا يكون إلا لله فهو أيضا كافر إذا قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها"

والإثبات هنا ليس فعل الاستغاثة بل اعتقاد أن هذه الصورة المعينة مثبتة بالشريعة اعتمادًا على أدلة ضعيفة أو دلالات لا تدل على المعنى المطلوب فينبني على ذلك إدخال بعض الصور المحرمة في حيز الصور المباحة ..

فمأخذ التكفير بإثبات بعض صور الاستغاثة عند علماء الأشاعرة والماتريدية وغيرهم، هو نفسه الحاصل لديهم في إثبات ونفي الصفات، فالكلام في كفر أصحاب المقالات عمومًا سواء كانوا من أهل البدع أو أهل الاجتهاد الخاطئ لا يخرج عن إثبات أو نفي لما ما لا يليق به سبحانه وتعالى...

ومن لا يتأمل هذا التحقيق يقع فيما وقع فيه صاحب كتاب "إشكالية الإعذار بالجهل" إذ جعل جل النقولات عن شيخ الاسلام هو في كلامه عن الاستغاثة وأقوال أهل البدع في مسألة الصفات وكما ترى فإن شيخ الإسلام يجعلهما من المسائل الخفية التي لا يكون الكفر فيها إلا بعد العلم والبيان بمعنى أن الكفر فيها بالمآل لا كفرًا في الحال.

والله الموفق